النفس البشرية ميّالة إلى التغيير غير المكلف حيث تلتمس في الجديد دائمًا شيئًا أفضل مما هي فيه. وبما أن حالات التطرف في كل أمر من الأمور تخل بالتوازن العام للشخصية والمجتمع والأمة فإن الناس - مثلًا- إذا خضعوا في مرحلة من المراحل لقيود شديدة في حركتهم واختياراتهم، فإن البحث عن الحرية والانطلاق يصبح الهمَّ المسيطر عليهم؛ فإذا فُكّت قيودهم انغمسوا في حرية تصل إلى حد الفوضى، وبعد مدة يضيقون بالوضعية الجديدة لما يلمسونه من أذى التفلب المبالغ فيه، ويبدؤون بالمطالبة بالضبط والصرامة ومقاومة التسيّب.
حين تشتد وطأة الجوع على أحدنا فإن الحصول على الطعام يصبح ضاغطًا ومسيطرًا، فإذا أكلنا وشبعنا تغيّرت نظرتنا للمائدة وطلبنا رفعها وهكذا...
هذا يعني أن قدرًا غير هيَّن من معرفتنا بقيمة شيء من الأشياء يُستمد من معرفتنا بضده أو من معايشتنا له وقد عرف الناس هذا من زمن بعيد، وعبّروا عنه بتعبيرات مختلفة، وكان مما قالوا:"بضدها تتميز الأشياء"،"الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يعرفه إلا المرضى"،"للشوهاء فضل على الحسناء". ويقال اليوم:"الوعي بالذات فرع عن الوعي بالآخر"، ويمكن أن نقول:"رؤية الآخر تتم دائمًا من أفق رؤية الذات". وهكذا فالوعي الإنساني يعمل في أفضل حالاته حين يرى في كل شيء صور الإفراط والتفريط والاعتدال. وقد كان عمر - رضي الله عنه- يتخوف من الحالة التي تصير إليها الأمة من عدم معرفة قيمة نعمة الإسلام حين ينشأ في الإسلام أناس لم يعرفوا الجاهلية. حين يسود الرشد في أمة من الأمم؛ فإن معرفتها بالاعتدال والاتزان هي التي ترشدها إلى رؤية صور الإفراط والتفريط. وحين يسود الجهل والعقم والتخلف، فإن وعي الأمة يتعرف على الاتزان من خلال تعرفه على صور الإفراط والتفريط، ويكون في ذلك شيء من الغموض والالتباس، لأنه قائم على استنتاج لا يخلو من شيء من تركيب الأدلة إذا شعر الواحد منا أنه صار في حالة مرضية من التوازن والاتزان فهذا لا ينبغي أن يدعوه إلى الاطمئنان والاستكانة لتلك الحالة؛ لأن ما يستجد من معطيات وظروف واتجاهات ومفاهيم وتحديات وإمكانات... يُدخِل الخلل على ذلك التوازن؛ ولذا فلا بد من البحث عن توازن جديد. ولو أننا تأملنا في أحوالنا الخاصة وأحوال الأمم عامة لوجدنا أن عدم إدراك أهمية عملية البحث هذه هو الذي أدى إلى تدهور كثير من الأمور، حيث يغلب على الوهم الشعور بجمود الأحوال والمعطيات، مما يدعو الناس إلى الركون إلى ما لديهم من استجابات وردود أفعال. وفي زماننا هذا صارت اليقظة الفكرية نحو ما نفقده من توازن أكثر إلحاحًا بسبب غزارة تدفق المعطيات والمتغيرات. وإذا لم ننتبه جيدًا لذلك فإن على الواحد أن يتوقع الانتقال إلى موقع متطرف دون أن يدري. وكل واحد منا يستطيع اكتشاف ذلك بطريقته الخاصة.
من خلال العرض الذي قدمناه يمكن أن نستشف أن العلاقة بين الأطراف والمتضادات هي علاقة جدلية. ولنا أن نستشف أيضًا أن العلاقة بينها سببية أيضًا، بمعنى أن المجتمع أو الجماعة أو الفرد قد يصير إلى حالة سيئة بسبب فقد الأضداد التي تحرضه على التطوير والتحسين، وهذا هو موضوع المقال القادم. ومن الله - تعالى- الحول والطول.
الاقتصاد هو ما تبقى من السياسة اليوم؛ والدول التي لم تنجح في إقامة علاقات اقتصادية جيدة فيما بينها، لا تستطيع إقامة علاقات سياسية فاعلة؛ لأن الاقتصاد والتجارة والمال والتنافس على الأسواق الدولية، والمواد الأولية الرخيصة هي الصخرة التي يمكن أن تتحطم عليها كل التقاربات السياسية، وكل أشكال التنسيق في المحافل الإقليمية والدولية. فالمحك النهائي للتعاون والتناصر في هذه الأيام، محك اقتصادي قبل أي شيء آخر .
إن المنطق السليم يقرر أن التحديات الكونية يجب أن تواجَه بجهود كونية، وتعاون المسلمين مع بعضهم هو من هذا القبيل؛ فالعالم الغربي المتربص بالشعوب المستضعفة، ينظر إلى العالم الإسلامي على أنه بنية ثقافية واحدة، ومن ثم فإن المعايير التي تمَّ إرساؤها للتعامل مع دوله هي معايير متقاربة. وما اختلفت دولة إسلامية مع دولة غير إسلامية إلا وقف الغرب إلى جانب الدولة غير المسلمة .
إن العالم الإسلامي حين يكون متفرقًا في عالم مجزأ، فإن الأضرار التي تعود عليه من وراء ذلك تكون أخف وطأة، لكن حين يتمزق في وقت يجري فيه السعي الحثيث إلى تكتلات تجمع الدول القوية؛ فإن الأخطار التي تهدد مصالح المسلمين ستكون آنذاك جسيمة! .
ومن الواضح أن بإمكان التجمعات الكبرى - كالسوق الأوروبية المشتركة- أن تمارس ضغوطًا هائلة على العالم الإسلامي في مجالات كثيرة، مثل أسعار المواد الخام، وأسعار الآلات والمصنوعات التي نشتريها منهم؛ كما أن بإمكانها أن تضع القيود التي تناسبها على تدفق العمالة المسلمة ...