فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 292

3 -في المجتمعات الإسلامية جماهير غفيرة يعشقون الغرائب ويروجون لها لأسباب مختلفة منها إمتاع السامعين ، وإظهار العلم بما يجهله غيرهم ، والتسويق لشخص أو جماعة أو فكرة أو طريقة .... والارتزاق من وراء الإثارة التي تحدثها القصص والحكايات العجيبة ! من طبيعة الغرائب أنها لا تعرف الوقوف عند أي حد ؛ ولذا فإنها تتطور في كثير من الأحيان لتأخذ شكل الخرافة ، ولتبني من ثم عقولًاَ خرافية . من مخاطر الغرائب والخرافات أنها تمحو في أذهان الناس الفروق بين الطبيعي وغير الطبيعي ، والجائز والممنوع ، والقريب والبعيد ، والممكن والمستحيل ... ومن خلال زوال الفروق بين هذه الثنائيات تتهيأ أذهان الناس لقبول أي شيء والاستسلام للوضعية الراهنة بوصفها شيئًا لا بديل عنه .

4 -اليأس والإحباط بسبب سوء الأحوال وتدهور مكانة الأمة بين الأمم الأخرى ؛ مما يؤدي إلى الإحجام عن التساؤل حيث يفقد المحبط الحيوية الذهنية ، كما يفقد روح الانفتاح والتفاعل التي كثيرًا ما تتمظهر في التساؤل ، فتؤول الأمور إلى السكون التام وانتظار المصير المحتوم .

5 -جفول الوعي الإسلامي في وقت مبكر من تاريخ هذه الأمة من ( الفلسفة ) بسبب تجاوز بعض فلاسفة المسلمين للعديد من الأصول والثوابت الشرعية ، وقد أدى ذلك إلى ضعف صناعة المفاهيم لدينا ، وإصابتنا بقصور مريع في عدد كبير منها . وحين يتضاءل مفهوم ما عن المستوى الذي ينبغي أن يبلغه ، ينحط مستوى العمل ورد الفعل ؛ مما يجعل الانحدار نحو القاع أمرًا مقبولًا أو غير مستنكر ، ومن ثم فلا يثار حوله أي تساؤل . إذا أردنا لشهية التساؤل لدينا أن تنفتح من جديد ، فلا بد من معالجة الأسباب التي أدت وما زالت تؤدي إلى اضمحلالها . والله الهادي إلى سواء السبيل .

لست أدري متى سنبصر طريقنا إلى التخلص من أدوائنا القديمة التي حولتنا من أمة تقود الأمم إلى أمة تستجدي الشعوب في لقمة عيشها وفي أمنها وفي تنظيم شؤونها ؟ ولعل من أدوائنا القديمة الاستسلام للَّحظة الراهنة ؛ فنحن نستمتع ونهجع ونأكل ونلعب كلما أتيح لنا ذلك غير آبهين بما يأتي به الغد ولا مكترثين بما يتطلبه ما بعد الغد !

إن القرآن الكريم حين أمرنا بإعداد العدَّة كان يستهدف إخراج المسلم من ضغوطات الساعة الحاضرة ، لتنفتح له آفاق المستقبل . والتخطيط في حقيقة الأمر يعني الحصول على شيء من هذا ؛ حيث إنه يساعدنا على توظيف إمكاناتنا الحاضرة في مشروعات تستهدف تحسين أوضاعنا في المستقبل . وهذا يستوجب ألا نهدأ حين يتاح لنا الهدوء ، ولا نغفل في أيام الرخاء . وهذا ما تفعله الدول العظمى والأفراد المتفوقون .

قد أثبتت كل الأحداث التي وقعت في العقدين الماضيين أن أعداء هذه الأمة ومنافسيها يعتمدون في الكيد لها واستغلالها على عقدة النسيان لديها ، وعلى كون تحركاتها لا تنبثق من رؤيتها للمستقبل ، وإنما من مواجهة مشكلاتها الآنية . ولذا فإننا أصبحنا ألعوبة في أيدي الآخرين ؛ إذ ما عليهم حتى يُنسونا ما نحن منهمكون فيه إلا أن يخترعوا لنا مشكلة جديدة فننسى القديمة ، وننطلق نحو معالجة الجديدة بنفس الحماسة التي كنا نعالج بها المشكلة القديمة ، وبذلك ننسى الذين ورَّطونا في المشكلة القديمة والذين ورّطناهم أيضًا !

إن كثيرًا من مشكلاتنا الفردية والجماعية ناشئ من قصور في المفاهيم لدينا ؛ فنحن كثيرًا ما نظن أن توفير أكبر عدد ممكن من الأفكار والرؤى والطروحات يكفي للإصلاح والتقدم . ومع أن مثل هذا شرط لا يستهان به ، لكنه ليس الشرط الوحيد ؛ فنحن إذا عمقنا النظر في تجاربنا ، وفي تجارب الأمم من حولنا ، وجدنا أن أكثر ما يرتقي بالأمم أمران:

النماذج . والمؤسسات .

فعقولنا تميل إلى عدم تصديق ما يطرح من أفكار نهضوية وعدم الاهتمام به والتفاعل معه ما لم نره مجسَّدًا في نموذج بشري ، فينتقل ما كان يُنظر إليه على أنه مثالي جدًا أو صعب التحقيق من حيز غير العملي إلى حيز الممكن الذي يقع ضمن المكنة والطاقة ، ولعل هذه هي الحكمة من وراء عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتجسيدهم لما يدعون إليه في سلوكهم . وهكذا المسلمون اليوم يحبون أن يروا نماذج راقية تتحرك على الأرض في كل اتجاه من اتجاهات الحياة: العلم والخُلُق والإدارة والسياسة والإنتاج والعلاقات الاجتماعية .. وعلى مقدار ما يتوفر من نماذج راقية يندفع الناس في طرق الصلاح والإصلاح ، وإن لم يكونوا مفكرين أو مثقفين أو فقهاء ..

أما المؤسسات فإنها تشكل أطرًا لتخريج النماذج ، كما أنها تنسف الجهود المبعثرة ، وتتيح لكثير من المشروعات أن يستمر فترات طويلة . وإن في شباب الأمة الكثير والكثير من الرغبة في الخير والعمل ، ولكنهم لا يجدون المؤسسات التي ترسم الأهداف ، وتمهد الطريق ، وتوفر لهم التدريب ، وتعينهم على أنفسهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت