الحكيم: رجل يرى ما قبل اللحظة الراهنة ، ويستشرف ما بعدها ، وهو لا يرى نسقًا أو نظامًا من التداعيات الترابطية ، لكنه يرى أنساقًا ونظمًا تتوازى ، وتتقاطع ، وتتصادم ، إنه يحسّ بالعاصفة قبل هبوبها ، فيحذر قومه وينذرهم . كلنا نرى القضايا بحجمها الحقيقي ، لكن بعد فوات الأوان ! ، وبعد أن نكتوي بنارها ، وتفوتنا فرصها الذهبية ، لكن الحكيم يأتي في الوقت المناسب ، كما قال سفيان الثوري: » إذا أدبرت الفتنة عرفها كل الناس ، وإذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم « ! .
العالم (الحكيم) الذي وصفناه ، أما أهل الاختصاص ، الذين أذهبوا العمر في تفتيق المعرفة حول شيء بالغ الصغر ، أو حول (لا شيء) : فهؤلاء جنود التقدم العلمي ، لكن حظوظهم من إشراقات الحكماء محدودة للغاية ! .
هـ ترتفع درجة المرارة في داخلنا على مقدار فقدنا للحكمة ؛ والنزق والبَرَم الذي نبديه حول كل ما لا يعجبنا سببه جهلنا بالأسباب والجذور والسنن وطبائع الأشياء ومنطق سيرورتها . أما الحكيم: فإن مرارته لا تنبع من مفاجآت الأحداث وفواجعها ، وإنما من غفلة الناس واستخفافهم بالمواعظ التي ألقيت عليهم ، ونبهتهم إلى النهايات المحتومة التي يندفعون إليها دون أي حساب أو تقدير لفداحة الخطب الذي سيواجهونه . إن الآلام التي نشعر بها عند ظهور بعض النتائج تكون مكافئة في العادة للمسرات التي عشناها يوم كانت (عقولنا مستريحة) ومشاعرنا غارقة في عالم الملذات والأوهام ! .
ما ذكرناه من أنوار الحكمة وفضائلها غيض من فيض ، ولا يشف عن محاسنها قول كقول الله (تبارك وتعالى) : { وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } [البقرة: 269] .
(1) الجامع لأحكام القرآن: ج3 ، ص330 .
(2) السابق: ج2 ، ص131 .
خلق الله جل وعلا الدنيا لتكون دارًا للابتلاء والاختبتار ، ومن ثم فإنه جعل الإنسان يتقلب فيها بين المنشط والمكره ، والرخاء والشدة ، والخير والشر ، ليرى سبحانه كيف يصنع هؤلاء العباد ، وكيف يطلبون مراضيه في جميع الأحوال ، { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [الأنبياء: من الآية35] .
ولعلنا نقبس من نور هذه الآية المباركة في الوقفات التالية:
1-الناظر في النُظُم العامة التي تحكم مسيرة الحياة يجد أن جوهر (الابتلاء) يقوم على (التشتيت بين المتقابلات) حيث يؤدي عدم القيام بحق الحالة الراهنة أو ما سماه القدماء بأدب الوقت إلى الإخفاق في الامتحان الذي يعني تحول الخير إلى شر أو ارتفاع وتيرة الشر والتدهور ، ولعلنا نميط اللثام عن هذا المعنى من خلال نموذجين اثنين:
(أ) يسعى كل مجتمع إلى إيجاد أكبر قدر ممكن من التماثل بين أفراده بنية المحافظة على قيمه وخصوصياته وزخمه الحركي ، وهذا التماثل من الخير ولا ريب لأن البديل عنه هو الشقاق والاحتراب الداخلي لكن التجربة الاجتماعية أثبتت أن الحرص على التماثل التام بين أفراد المجتمع يؤدي إلى انقسامه على نفسه ، حيث يتشوف أعضاؤه ولاسيما الصفوة منهم إلى النفاذ إلى واقع المجتمع على نحوٍ منفرد ومنعهم من ذلك يؤدي إلى التوتر الاجتماعي ، ويجعل (التماهي) الظاهر عبارة عن شكل فارغ من المضمون ، فينتشر النفاق الاجتماعي والازدواجية في السلوك ، ومن ثم فإن المطلوب هو قدر من التنوع الاجتماعي واحترام الخصوصيات في إطار النظم الكبرى للمجتمع وفي إطار أهدافه ومبادئه العامة .
(ب) حث الإسلام على صلة الرحم وأداء حقوق القرابة ، ورتب في ذلك أحكامًا وآدابًا عديدة ، والالتزام بها ورعايتها من الخير العظيم ، لكن ذلك لابد أن يوقف عند حدود رعاية مسائل أخرى لا تقل أهمية وحيوية من مثل احترام النظم التي تتولى توزيع وترتيب الحقوق والواجبات في المجتمع ، حيث لا يصح لعامل القرابة أن يمس العدالة الاجتماعية أو يضغط عليها ، الملحوظ أن ما تسمى بـ (سيادة القانون) لم تأخذ أبعادها بشكل جيد في العصور الحديثة إلا حيث اضمحلت العلاقات الأسرية والقرابية كما هو الشأن في المجتمعات الغربية أما في المجتمعات الإسلامية حيث التواصل الأسري والعائلي أمتن وأفضل ، فإن من الملحوظ أنه يتم الكثير من التجاوز والتفلت من النظم العامة في سبيل إعطاء الأقرباء ما ليس لهم من مكتسبات ظنًا أن في ذلك صلة للرحم ! لكن هذا يعني عدم النجاح في الابتلاء والتشتت بين المتقابلات ، إن إكرام الأقرباء لا ينبغي أن يتم على حساب الآخرين ولا بخرق النظام العام ، وإلا كان شرًا وبلاءً .