وعودة إلى نبي الله يوسف نلاحظ أنه - عليه الصلاة والسلام - قد حقق كل مراحل الهجرة ، فقد هجر الكفر { إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } [37] وهجر الكبائر { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [23] وهجر الصغائر { قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [92] .
وفائدة عظيمة أخرى أن وعد الله متحقق بأن يجعل لمن يتقيه رزقًا من حيث لا يحتسب ؛ فهذه براءة يوسف - عليه السلام - تأتي من عدة وجوه وطرق:
فيشهد له خالقه أولًا أنه من عباده المخلَصين وأنه صرف عنه السوء ، ويشهد شاهد من أهلها ، وتشهد نسوة المدينة ، ويشهد الملك فيما بعد وفيما قبل ، ثم هي تشهد ببراءة ونزاهة نبي الله . فقد سخر الله هذه الجنود لتقدم دليلًا تلو الآخر على حفظ الله لنبيه وعباده الصالحين عمومًا { ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ } [المدثر: 31] ، ذلك إذا علم الله منهم صدق القلوب ثم كان التمكين في الأرض لدين الله وعباده وهي الجائزة التي يرجوها كل مَن يشري مرضاة الله .
طالما وقفت خاشعًا في محراب هذه الآية وطالما غمرني ضياؤها بأشعته الهادية حيث أودع الرحمن عز وجل في كلمات قليلة من المعاني الكريمة الفياضة ما يمدنا بالمفاهيم النيرة كلما اتسعت مساحات الوعي لدينا وكلما تعاظم رصيدنا من التجارب .
وسأقف مع القارئ الكريم وقفات عدة في إشراقة هذه الآية نغرف من معينها النمير .
الوقفة الأولى:
تمثل هذه الآية مظهرًا من مظاهر رحمة الله تعالى حين رضي منهم أن يطيعوه على قدر طوقهم وقدرتهم ؛ وهذا الأمر أحد أهم الأسس التي يرتكز عليها التشريع الإسلامي ، وهو في الوقت ذاته أحد دعائم خلود الشريعة الغراء إذ أن تصرف الأيام والليالي يأتي بما لا يحصى من الظروف والأحوال ، وحينئذ فإن قدرات الناس على القيام بأمر الله تتفاوت تفاوتًا كبيرًا ، خاصة لا يجد المفتي لها حكمًا تفصيليًا يغطيها ، وتأتي هذه الآية لتمثل المنطلق الرحب والناموس الأعلى الذي يحكم فقه الضرورات ، وفقه ارتكاب أخف الضررين ودفع شر الشرين ، وتشعر هذه الآية الكريمة المسلم الذي وقع في ظروف حرجة ضاغطة بالطمأنينة بالسلامة من الإثم ما دام اتقى الله ما استطاع ، كما أنها تستنهضه لمقاومة الظرف الطارئ وبذل الوسع في الاقتراب من المركز أكثر فأكثر ، وهتو إذ يفعل كل ذلك يشعر برقيب ذاتي منبعه خشية الله سبحانه وتعالى .
الوقفة الثانية:
إن دوائر الاستطاعة تتسع على صعيدي القيام والعمل كلما استطاعت الأمة أن ترقى صعدًا في سلم الحضارة . أما على صعيد القيم فإن التقدم المادي والتقني يهيئ الظروف المناسبة لنشر القيم وحملها ، وإذا أخذنا قيمة (الحرية) باعتبارها واحدة من أخطر القيم المتفق عليها بشكل عام لوجدنا أن هذه القيمة ليست حالة يتصف بها الفرد أو دعوى يطلقها ، وإنما هي عملية مواكبة للإمكانات التي يحصل عليها ؛ فإذا ما امتلك الواحد منا ثروة كبيرة من المفردات اللغوية وجد نفسه حرًا في اختيار الألفاظ والأساليب المتعددة التي تمكنه من نقل المعلومة التي يريد إيصالها لمخاطبيه مهما تفاوتت مستوياتهم الثقافية . ومن توفرت في بلاده فرص كبير للعمل بشروط ميسرة وجد نفسه قادرًا على رفض ما يمكن أن يتعرض له من ظلم أو حيف من أرباب العمل وعلى رفض ما يعده مهنة شاقة أو غير مناسبة ، وهو بذلك يجد أمامه مجالات واسعة للحركة وقدرًا أكبر من الخيارات المريحة ، وقد عبر العرب قديمًا عن هذه الحالة بمثل شائع حين قالوا: (من أخفض تخيّر) .
وفي المقابل فكيف يمكن لمن بحث عن فرصة للعمل سنوات عدة حتى عثر عليها أن يتصرف كما تصرف الأول ، وأن يشعر بأنه قادر على أن يكون حرًا يأبى الظلم ويعيش بعيدًا عن القسر والقهر ؟ ! !
وأما على الصعيد العملي فإن أكثر المخترعات أعطت جوارح الإنسان نوعًا من الامتداد في سلطانها وقدراتها ؛ فالآلة مدت في سلطان اليد والطائرة في سلطان الرجل والهاتف في سلطان السمع و (الرائي) في سلطان العين وهكذا ..
ويترتب على اتساع دوائر الاستطاعة تعاظم المسئولية ووجود إمكانات جديدة للمزيد من التقوى وبهذا الاعتبار فإن العمل لتحسين المناخ العام الذي يعيش فيه المسلم عبادة لله تعالى تهيئ الناس لمزيد من الطاعات والعبادات ، وإذا ما حدث خلل في الارتباط بين الاستطاعة والتقوى فإن ذلك يعني نوعًا من البغي الممقوت الذي يخل بالتوازنات العميقة بالفرد كما يستنزل المحن والعقوبات له .
وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عقوبة شيء من ذلك الخلل حين ذكر الملك الكذاب في جملة من لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ، ولا ينظر إليهم إذ أن السلطان ذو قدرات كبيرة فإذا لم يواكبها الصدق أحدث من الضرر ما لا تنفع معه رقابة الرقباء ! ولذلك استحق العقوبة التي تتناسب مع فعله .
الوقفة الثالثة: