(5) انظر تعليم التفكير: 28 .
(6) السابق: 28 .
(7) مشكلة الثقافة: 61 .
(*) هذا الموضوع للكاتب الكريم هو جزء من كتاب جديد تحت الطبع ، بعنوان: (مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي) ، وهو جزء من السلسلة التي أصدرها الكاتب تحت عنوان: (المسلمون بين التحدي والمواجهة) ، والتي صدر منها: (نحو فهم أعمق للواقع الإسلامي) ، و (من أجل انطلاقه حضارية شاملة) مجلة البيان .
كان المفترض أن يقود المسلمون ثورة الاتصالات في العالم حتى يتمكنوا من تبليغ الرسالة ، وحتى يتمكنوا من التواصل والتعاون فيما بينهم ، ولا سيما أنهم موزعون على أرجاء العالم كافة ؛ لكن بما أن ذلك لم يحدث - لأسباب معروفة - فلا أقل من أن نستفيد من الإمكانات الهائلة التي وفرها التقدم التقني على صعيد الاتصالات والبث الفضائي وشبكات المعلومات .
إنني لا أعني ابتداء بالاستثمار استثمار المال فحسب ؛ فالمال ضروري وجوهري ومن دونه لا نستطيع القيام بالكثير من الأعمال ، لكن هناك أمور كثيرة أيضًا لا تحل بالمال ، إنني أعني بالاستثمار في الإعلام إيجاد الاهتمام أولًا بهذا القطاع الحيوي والمهم جدًا حيث إن أي مجال أو قطاع لا يرتقي إلا من خلال كثرة المهتمين به ، كما أعني بالاستثمار في الإعلام بذل الجهد والوقت في تفعيل دور الإعلام الإسلامي في النهوض بالأمة وحل مشكلاتها ؛ فبناء مواقع إسلامية على (الإنترنت ) يتطلب المال ، ولكنه يتطلب الجهد والتعب أكثر من حاجته إلى المال ، وطبيعة ممارسة الإعلام والدعوة إلى الله - تعالى - على الشبكات المعلوماتية تتسم بالمرونة ، ويمكن أن يسهم في إثرائها الكثير الكثير من الشباب والأشبال بعد القليل من التدريب والخبرة ، إننا بالمال نستطيع إيجاد بنى وهياكل إعلامية لكن بناء الإعلامي اللامع المحترف يحتاج إلى وقت وقد يكون عليك أن تصبر عشرين سنة حتى تحصل على إعلامي ممتاز ؛ ففهم البيئة الإعلامية واستيعاب الفرص والتحديات الموجودة فيها وشق طريق خاص متميز بين شعابها ووهادها يحتاج إلى الممارسة والمعاناة والانخراط في لجة العمل الإعلامي ، والزمن عامل مهم في بلوغ كل ذلك .
اليهود يتمتعون بالإدراك العميق لأحوال عصرنا ، وبالخبرة الواسعة بمكامن القوة فيه ، وقد كانوا يقولون: من يملك الذهب يملك العالم ، وهم يقولون اليوم: من يملك الإعلام يملك العالم .
وهذا القول عميق الدلالة ؛ فالإعلام اليوم من خلال الإتقان الفائق للبرامج التي يقدمها ، ومن خلال ما يتمتع به من قدرة كبيرة على التأثير بات قادرًا فعلًا على أن يصنع شيئًا من لا شيء ؛ إنه قادر على أن يوجد بيئة كاملة من الأفكار والمشاعر والقيم والاهتمامات والاتجاهات لأمور تافهة أو هامشية مثل الرياضة والفن والطبخ والأزياء .. والملاحظ - مثلًا - أن بعض منتجات ( هوليود ) من الأفلام والأعمال الفنية بات يركز على إظهار ( البوذية ) بوصفها الديانة الأعمق روحانية والأكثر إنسانية ، وقد اقتنع كثير من الناس في الغرب على الأقل بذلك ، والسبب هو أن اليابانيين اشتروا أسهمًا في ( هوليود ) بعشرات المليارات من الدولارات ، وباتوا يتحكمون في إنتاجها ، وقد قدموا بذلك خدمة لديانتهم كان من الصعب أن تحظى بها لولا عمليات الشراء تلك !
والإعلام في المقابل قادر من خلال تجاهله وتعاميه أن يسدل الستار على أكثر القضايا والأزمات والنكبات حيوية وشناعة ؛ ففي عالم مهموم ومشغول ومشتت يصبح إرباك الوعي وصرف الانتباه أمرًا في غاية السهولة ، وأكبر دليل على ذلك ما جرى ويجري ساعة كتابة هذا المقال في فلسطين السليبة ؛ حيث بلغت المأساة حدًا جعل وزير خارجية العدو الإسرائيلي يقول: ما جرى في مخيم جنين مجزرة ، وجعل بعض موظفي الصليب الأحمر يقولون إن وضع مخيم جنين يشبه وضع برلين عام 1945م عقب الحرب العالمية الثانية !
إن أمة الإسلام غنية بالأحزان وبالصور والمشاهد المؤلمة والمفجعة ؛ وعصرنا - كما يقولون - هو عصر الصورة ، لكن أين الإعلاميون المسلمون الذين ينقلون صور مآسينا للعالم الذي ضلله الإعلام الصهيوني والإعلام المتحالف معه ؟ !
بالإضافة إلى ما ذكر نحن بحاجة إلى تكثيف الاستثمار في الإعلام لسببين جوهريين:
الأول هو: تأدية أمانة التبليغ وإيصال رسالة الإسلام إلى الناس كافة ، والحقيقة أن البث الفضائي المتوفر الآن إلى جانب شبكات المعلومات قد وفرا وسائل للتبليغ كان أسلافنا عاجزين حتى عن الحلم بها ؛ فقد أمكن الآن مخاطبة مئات الملايين من البشر في آن واحد ، وإيصال ما نريد إليهم ، على حين كان الناس في الماضي يغبطون العالم إذا جلس في حلقته ألف من طلاب العلم .
إن هذه السهولة في التواصل العالمي جاءت في الوقت المناسب ؛ حيث إن معظم سكان الأرض قد فقدوا اليوم الإحساس بالأهداف الكبرى والإحساس بالغاية من الوجود ، والمسلمون وحدهم هم الذين يملكون الرؤية والمنهج اللذين يحتاج إليهما العالم .