3-قد يحدث أن يسوق الله طالب علم إلى أحد المدرسين فيأخذ عنه بعض ما عنده من العلم في بعض الفنون ، ويشعر الطالب في بعض الأحيان أن ما عند هذا الشيخ في تخصص ما لا ينقع الغلة ، ولا يروي الصادي فيتجه إلى شيخ آخر يلتمس ما عنده ، وهنا يشعر الأستاذ الأول أن ما فعله هذا الطالب فيه نوع من إساءة الأدب وعدم الوفاء بل قد يشعر أن هذا الطالب يوحي بأن ما عند الشيخ في هذا الفن ضئيل الفائدة وحينئذ يبدأ تقطيب الوجه ، والتصريح والتلميح والإشادة بأقران ذلك الطالب الذين يمثلون الأدب والوفاء والعبقرية ، ثم تكون الجفوة والقطيعة ....
ونحن الآن في زمان ترك فيه الحلاق الحجامة ، وقلع الأضراس ، وترك فيه الطبيب الفلك والحساب بل إن إحاطة المرء بكل فن من الفنون صار متعذرًا نظرًا للتراكم الثقافي العظيم ، والانفجار الهائل في المعلومات .
وهذا الداء قديم عندنا ، وما لم تحرر النيات لله تعالى فستقطع رحم العلم ، ويحل الجفاء موضع الدعاء ، والإزورار موضع التزاور . وكم تختلف الصورة لو أن هذا الأستاذ أرشد تلاميذه إلى أولى الاختصاص ليفيدوا منهم إذا لقارضه الثناء الأستاذ الآخر ولاتصلت الأنساب العلمية وأثريت الحياة الثقافية ، وقبل هذا وذاك حصول الالتزام بمنهج لله تعالى الذي لا يرضى لعباده التباغض والتحاسد وبخس الحقوق ...
والخلاصة أن هذه الآية الكريمة مما عطل به العمل عند كثير من المسلمين ، ونشأ عن هذا التعطيل مرض اسمه: (عمى الألوان) ولكنه في البصيرة دون البصر ، فأطفئت ألوان كثيرة لا تكاد تحصى كانت تتوهج بين الأبيض والأسود ، وكثر النمط الذي يقرظ ب: (وحيد دهره وفريد عصره) والنمط الذي يقول فيه (الرجال) ما رأينا منه خيرا قط ...
(1) فتح الباري 7/1530 .
(2) البداية والنهاية 2/198 .
(3) صحيح البخاري 1/24 .
(4) البداية والنهاية 7/300 .
د. عبد الكريم بكار 5/7/1428
لا أستطيع في مقال أو مقالين أو حتى عشرة مقالات -وكذلك غيري- رصد التطورات التي باتت تشكل نبض الحقبة الزمنية الراهنة، فالموضوع كبير جدًا، لكن سأركز حديثي عن شيء من المستجدات التي تتعلق بتنمية الشخصية في مجال الوظائف والأعمال وفي الحياة العامة أيضًا، وهذا مما يهم الشباب الطامح والساعي إلى تغيير وتحسين وضعه الوظيفي، ولعلي أشير في هذا السياق إلى الملاحظات الآتية:
1-نحن الآن قد غادرنا الأدبيات التي كانت سائدة في العصر الصناعي، مع أن كثيرًا من المسلمين وغيرهم لم يدخلوا ذلك العصر، وهذا مما يثير الحزن! والعصر الجديد هو عصر المعرفة والمعلومات وعصر الخدمات، حيث تحل الخدمات والمنتجات غير الملموسة محل المنتجات والسلع، مما يشير إلى شيء من التحوّل في حاجات الناس، وأنت ترى كيف أن الفرد الواحد ينفق سنويًا على تجديد حاسبه الشخصي وعلى جواله الألوف، مع أن ما يحصل عليه من وراء استخدام هذا وذاك شيء لا يرى، ويصعب تقويمه وتثمينه كون قطاع الخدمات أصبح هو القطاع المهيمن على حركة الإنتاج في كل الدول المتقدمة، والمتجدد والنامي بسرعة في باقي دول العالم -يعني أن الإنسان اليوم بات على ارتباط وثيق ليس بالآلات ولا بالمواد الأولية، وإنما بالناس من حوله؛ إذ سيجد كل واحد نفسه في المستقبل غير البعيد إما في موقف مقدم الخدمة، وإما في موقف المتلقي لها، ولهذا شرح طويل لسنا في حاجة إليه الآن، لكن الذي تعنيه هذه الوضعية هو أن كل واحد منا صار محتاجًا إلى وقفة طويلة يتفحص فيها ذاته، ويراجع مدى ما يتمتع به من لياقة ذهنية وأخلاقية وشعورية واجتماعية، فالتعامل المكثف مع الناس يثير الكثير من التوترات، ويحتاج إلى الكثير من الشفافية والتهذيب والانضباط الذاتي، وهذا كله لا يتم إلاّ إذا استطاع المرء وضع يده على الزوائد الضّارة والسلبية في شخصيّته كي يشذّ بها، ويتخلّص منها، ومن المعروف أن الناس كلّما درجوا في سُلَّم التحضر صاروا يتوقّعون ممن يخالطونهم، وممن يقدمون الخدمات لهم درجة أكبر من اللطف والحساسية الأخلاقية، ودرجة أكبر من التقدير لظروفهم الشخصية، وهذا يعني أن مسألة الارتقاء بالذات ليست شيئًا نتفكّه به، أو شيئًا ترفيهيًّا، وإنما هو شيء جوهري لكل من يريد النجاح في عمله وفي حياته الاجتماعية على نحو عام.