ولكن الأمر في نظر الشريعة الغراء ليس كذلك إذ إن فقهاء الأمة مجمعون على أن الصلاة ليست من خصوصيات الإنسان التي يقف المجتمع المسلم تجاه تاركها صامتًا غير مبال ولا مؤاخذ ، لذلك رأى بعض الفقهاء أن تاركها (كسلًا) مقرًا بفرضيتها يقتل كفرًا ، وبعضهم قال يقتل حدًا ، وبعضهم ذهب إلى أنه يسجن إلى أن يصلي ، وهم في هذا يصدرون عن فهم صحيح لطبيعة عمل هذا الدين في تسيير دفة الحياة الاجتماعية ، لأن المعصية حين تشيع في الناس يستوجبون نزول العقوبة وذهاب الريح ، ولا تشيع الفاحشة إلا حين يغض المجتمع الطرف عنها وطالما أجهض الجهد الإنساني الضخم في إعمار الأرض بسبب التقصير في جانب العبودية لله تبارك وتعالى وشواهد الماضي والحاضر ناطقة بذلك ، وكيف لا والله تعالى يقول: { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ } [الأنفال / 50] . وكيف لا والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول مجيبًا لمن سأله: أنهلك وفينا الصالحون ؟: » نعم إذا كثر الخبث « [أخرجه الشيخان ] .
نعم إن الأمن حين يضطرب حبله لا يضطرب على الطالحين وحدهم ، وإن الأسعار حين تغلو لتفوق طاقة الناس لا ترتفع بالنسبة للطالحين فقط ، وإن العدو حين يستبيح الحمى لا يستثنى أحدًا وهكذا ...
وإذا كان أصحاب الأهواء والشهوات لا يبصرون أكثر من مواقع أقدامهم ولا يعبأون بحاضر ولا مستقبل فإن على المجتمع أن يتحمل المسؤولية تجاه حاضره ومستقبله وآخرته .
(1) أخرجه الترمذي وحسنه .
هذه آية عظيمة القدر في كتاب الله - عز وجل -حيث إنها تسهم إسهامًا كبيرًا في تشكيل رؤية المسلم إلى أشياء كثيرة في عالم الأحياء وترتب على عدم الاهتداء بهدي هذه الآية كثير من الخلل في حياتنا المعاصرة .
وما اخترناه ليكون عنوانا لهذه المقالة جزء من آية هي قول شعيب عليه السلام لقومه ] يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الكَيْلَ والْمِيزَانَ ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [ [ الأعراف: 85] .
وسياق الآية وإن كان يدل في ظاهره على أن المقصود المباشر بـ (أشياءهم) هنا ما يتبادله الناس في معاملات هم من المتاع ، إلا أن ما يملكه الناس ويتمتعون به من أخلاق وأفكار وتاريخ ... أولى بإقامة العدل وإنزاله في منازله من غير وكس ولا بخس ولا شطط لما يترتب على الإخلال بذلك من الحقد والقطيعة والفرقة وذهاب الريح ...
ولما كانت أصول دعوات الأنبياء - عليهم السلام - واحدة فإن الأمر بإقامة الموازين والحكم بالعدل والإنصاف ظل الوصية الخالدة التي يوجهها كل نبي إلى قومه ؛ لأنه بالعدل قامت السماوات والأرض ...
وقد أوصى الله تعالى رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يعلن لأمته أمر الله له بإقامة العدل فيها ، فقال: ] وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [ [الشورى: 15] .
وأوصى المؤمنين بإقامة العدل مع الناس كافة حتى الأعداء الذين يبغضونهم ويحاربونهم ، فقال تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [ [المائدة: 8] .
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يقوم لله بالشهادة فيعطي كل ذي حق حقه ، وفي سيرته العطرة مئات الشواهد التي تفيد التزامه المطلق بإنزال الناس منازلهم ، وذكر محاسنهم وميزاتهم ، مهما كان انتماؤهم وحيث كان موقعهم فهذا هو يقول: » أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل « .
مع أن لبيد وقتها كان كافرًا [1] ، وكان بإمكانه عليه الصلاة والسلام أن يثني على شعر بعض أصحابه المملوء حكمة وهدى بدافع حصر الخير فيهم ، ولكن الالتزام بالحق والإنصاف وعدم بخس أحد حقه يأبى ذلك فأثنى على كلام رجل كافر .
ومن الجدير بالذكر هنا أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه سمع لبيدًا ينشد البيت فلما قال:
ألا كل شيء ماخلا الله باطل
قال له عثمان: صدقت ، فلما قال:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال له عثمان: كذبت نعيم الجنة ليس بزائل .
وإن المرء ليعجب لهذا الإنصاف أيضًا من عثمان المقتبس من مدرسة النبوة حيث أثنى في النصف الأول على لبيد ، ويكذبه في النصف الثاني ! ! .
وجاء المسلمون بسفانة بنت حاتم الطائي في السبي ، فذكرت لرسول -صلى الله عليه وسلم- من أخلاق أبيها ونبله فقال لها:
» يا جارية هذه صفة المؤمنين حقًا لو كان أبوك مؤمنًا لترحمنا عليه ، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله تعالى يحب مكارم الأخلاق « [2]