فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 292

أ - وضع الأسرة والأقرباء والجيران والأصدقاء والزملاء الذين يحتك بهم الطفل والفتى الذي يتعرض للتربية،؛ إذ إن هؤلاء يقومون بإرسال رسائل مستمرة ذات مضمون تربوي، وهذا المضمون يشكل رافدًا مهمًا بين الروافد التي تصبّ في الجهد التربوي للأبوين، وعلى سبيل المثال فإن الأبوين إذا كانا صالحين جادّين وعارفين بالأسلوب التربوي الصحيح الذي عليهما اتباعه في تربية ابنهما، فإن المتوقع أن يتأثر الابن بهما تأثرًا كبيرًا، لكن الذي يغيّر طبيعة هذا التوقع تلك الرسائل التي يرسلها الأقرباء من إخوة وأعمام وأخوال... والرسائل التي يرسلها الأصدقاء والجيران والزملاء... فإذا كانت مناظرة أو مقاربة للمضمون التربوي الذي يقدمه الأبوان، فإن المأمول أن تكون نتائج جهدهما التربوي باهرة، لكنْ يحدث شيء سيئ إذا كانت رسائل هؤلاء تحث الصغير على التساهل تجاه العبادات، وتهوِّن عليه الوقوع في الموبقات... إذْ إن هذا يعني أن ينظر إلى ما يقوله له أبواه على أنه لا يخلو من تشدّد وتزمّت، أو أنه غير ملائم لروح العصر.. ومن ثم فإن الطفل -وعلى نحو غير شعوري- يُحدث استجابات مختلطة، فيها ما يلبي رغبة الوالدين، كما أن فيها صدى لما يراه الأصدقاء والأقرباء.. أي أن سلوكه خضع لشروط داخلية وخارجية في آن واحد.

ب - الإعلام المشاهد والمقروء والمسموع مؤثر هائل في تكوين الأبناء، لما يتمتع به من حضور وجاذبية واتقان... والمشكل اليوم أن الأطفال لا يتعرضون لتأثير إعلام واحد صادر عن جهة واحدة، يمكن التفاهم معها من أجل التقريب بين مفردات الرسائل التي يوجهها للأطفال، ومفردات الرسائل التي توجهها الأسر والمدارس. إن الوسائل الإعلامية تنتمي إلى أكثر من (130) بلدًا في العالم، وهي تعكس ثقافات وديانات وتطلّعات متباينة أشدّ التباين. وإن نسبة غير قليلة من الناس قد أسلمت أبناءها للفضائيات من غير قيود تُذكر، ولهذا فإن ما يقوله الأبوان بات يُفهم لدى هؤلاء الأبناء في ضوء الخلفية الثقافية العميقة والمتماسكة التي بناها الإعلام بشتى صوره ومكوّناته، وبهذا فعلًا يصبح ما يقوله الأبوان جزءًا مرتهنًا للكل أكثر من أن يكون بعضًا منه.

جـ - لا يمكن ونحن نتحدث عن المؤثرات في تنشئة الصغار أن نتجاوز الدور الذي يقوم به المدرّس، وهو دور يساند -على نحو عام- دور الأسرة، وقد يكون في بعض الأحيان أسمى وأرقى منه، لكنه على كل حال ليس مطابقًا له. إن الأطفال يتأثرون أساتذتهم أكثر من تأثرهم آباءهم؛ لأنهم يرون آباءهم في كل أحوالهم -الجيدة والسيئة- ولا يرون أساتذتهم إلا في أكمل أحوالهم، لكن من الصحيح أيضًا أن بعض المدارس، تقدم تعليمًا متهالكًا ومتدني المستوى، وبذلك فإنها تزرع اليأس والإحباط في نفوس الطلاب؛ وتخفِّض من مستوى طموحاتهم. وبعض المعلمين، يجعلون الطالب يشعر بالظلم أو التمييز العنصري والطبقي، وبذلك يشوّشون على الجهد التربوي المبذول في البيوت، وكم من طفل كان متوقد الذكاء شديد التطلع والتجاوب!! وبعد أن دخل المدرسة، أخذ يخبو شيئًا فشيئًا إلى أن أصبح أقل من عاديّ، وذلك بسبب رداءة التعليم الذي تلقاه، وهبوط سويّة المعلمين الذين أخذ عنهم. وهذه معضلة من المعضلات الكبيرة.

3 -يقدم العمل الدعوي نموذجًا واضحًا لعلاقة الجزء بالكل، وذلك لأن الداعية يريد توجيه عقول المدعوين وقلوبهم نحو قيم ومثل وسلوكات ومفاهيم معينة، وهو يخاطب أقوامًا تلقّوا الكثير الكثير من الرسائل المختلفة، ورسائل من الأهل، ومن المدرسة، ومن الإعلام ومن أماكن العمل، ومن النظم والقوانين السائدة، بالإضافة إلى الرسائل التي ترسلها التحديات المعيشية المماثلة، وتكاليف رعاية الأبناء والإخوة... إننا كثيرًا ما نشكو من ضعف استجابة الناس، وذلك لأننا لا ندرك أننا ونحن نخاطب شخصًا، وندعوه إلى شيء ما، يكون ما نقوله له بمثابة لون في لوحة أو مادة في طبخة مكونة من عدد من المواد، ومن ثم فإن تأثيرنا لابد أن يكون في النهاية جزئيًا.

الرسالة التي أودّ إيصالها من وراء كل هذا الكلام، هي أن على المصلح والمهتم بتحسين أوضاع الأمة أو أوضاع أسرته أو مؤسسته، أن يكون له عينان مفتوحتان بقوة: عين على الجهد الذي يبذله والمخطط الذي يضعه، وعين على المؤثرات البيئية والمساهمات الخارجية البعيدة عن متناول يده؛ إنه بهذا وبهذا وحده يستطيع أن يطوِّر أداءه، ويحسِّ سوية توقعاته.

والأمر الثاني الذي أودّ التذكير به، هو الاستثمار في البيئة التي تؤثر في كل جهودنا الخاصة وفي كل المجالات. إن أي جهد إيجابي بنّاء يُبذل في تحسين حياتنا الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والتربوية... يحسِّن في نتائج جهودنا الشخصية على الصعيد التربوي والتعليمي والدعوي..

إن العمل وفق هذا المنطق يولّد لدينا الروح الجماعية، ويجعلنا نهتم بكل شيء، ولا نزهد بأي جهد يُبذل في أي مجال مهما كان قدره.

والله ولي التوفيق...

#المعادلات الصّعبة

د. عبدالكريم بكار 8/3/1427

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت