فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 292

1-هناك اتفاق بين أمم الأرض على أهمية القراءة ومجالسة الكتاب، لكن الواقع يكشف تباينًا كبيرًا بين شعب وشعب؛ فقد ذكرت بعض الدراسات أن متوسط القراءة في اليوم لدى العربي، هو في حدود ست دقائق. على حين أن الأوروبي يقرأ وسطيًا في اليوم حوالي ثمانٍ وثلاثين دقيقة. هذا مع أننا أمة (اقرأ) وأمة التراث الذي دعا إلى الاهتمام بالكتاب والعلم والعلماء. لماذا يحدث هذا؟

إذا نظرنا إلى القوانين الداخلية التي تحكم قضية القراءة، فقد لا نجد فوارق تذكر بين العربي والأوروبي، الكل يدرك أهمية القراءة، وعلى الجميع بذل جهد معين من أجل الاستمرار فيها، لكن الذي يصنع الفرق، هو البيئة والنظم الخارجية. إن الإنسان على مدار التاريخ لم يجد مشكلة في الاستجابة للمحفزات والدوافع الأساسية، فالكل يحاول الحصول على ما يحميه، ويؤمِّن له الاستمرار في الوجود؛ لكن المشكلة التي طالما واجهها الإنسان هي الاستجابة للدوافع والحاجات الثانوية، مثل القراءة وتدعيم الذات والتفوق وتهذيب النفس، وما شاكل ذلك، نحن نعرف أن الجلوس ساعة من زمان من أجل قراءة كتاب يحتاج إلى شيء من راحة النفس وراحة الجسد، أي إلى (مزاج) مواتٍ لاستخدام العقل وبذل الجهد من أجل الحصول على معرفة، قد لا نعرف في أحيان كثيرة ماذا نصنع بها، ولا كيف نستثمرها. ومن ثَمّ فإن الناس لن يقبلوا على الكتاب إلا من خلال وجود دواعٍ ومحفزات خارجية، وفي هذا السياق نجد شيئًا يستحق الاهتمام، وهو أن الدول التي سجل أبناؤها ساعات طويلة من القراءة سنويًا، هي دول وفرت عددًا كبيرًا من الوظائف التي تتصل بالجهد العقلي، وتوفر الجهد الفصلي، أي أن جزءًا مهمًا من اقتصادها، يقوم على المعرفة والبحث والتطوير والتعليم. إن الذي يكسب رزقه عن طريق عمل غير مجهد بدينًا، من جهة، ويجعله على صلة بالمعرفة من جهة أخرى، وتكون لديه ألفة وعلاقة حميمة مع الكتاب إلى درجة أن يصبح العلم جزءًا من هواجسه اليومية، ومغذيًا أساسيًا لنشاطه العقلي على مدار الساعة. في المقابل فإن الشعوب المعرضة عن القراءة -كأكثر شعوبنا- هي شعوب تعمل في الزراعة والحرف اليدوية والأعمال الخدمية التي تحتاج الكثير من الجهد البدني، وعلاقتها بالتفكير والبحث والمعلومات محدودة للغاية، وهذا يؤثر في التوجه إلى الكتاب من ناحيتين جوهريتين:

أ- عدم المساعدة على توفير (المزاج) الذي تتطلبه القراءة والذي يحتاج إلى بدن غير مجتهد.

ب - عدم قيام ألفة بين الواحد منا وبين القراءة وأجوائها وبين الكتاب وإيحاءاته ومسرّاته.

وحتى تتغير هذه الوضعية فإن على الأمة أن تتخذ قرارات حاسمة على صعيد تغيير وجهة الاستثمار، وذلك بالتوجه إلى إنشاء المزيد من البني المعرفية والصناعية التي يتطلب العمل فيها درجة عالية من التأهيل على مستوى التعليم والتدريب. وهذا يكون في التوسع في إنشاء الجامعات والمعاهد والأكاديميات ومراكز البحوث والدراسات لتستوعب أعدادًا كبيرة من الطلاب، كما أن من المهم على هذا الصعيد إيجاد جامعات ومعاهد رائدة، تخرج قيادات وكفاءات علمية وإدارية عالية، تتولى قيادة حركة التنمية والتطوير. بالإضافة إلى هذا فلابد من التوسع في الصناعة الإلكترونية، وصناعة الحاسبات والبرمجيات، والتوسّع في الصناعات الدقيقة في مجالات الأشعة والأدوية والأجهزة الطبية، وما شاكلها مما يتطلب اتصالًا قويًا بالبحث والمعرفة. هذا يعني أن نستهدف أن يكون لدينا خلال ربع قرن نحو من 40% من الوظائف التي يحتاج أداؤها إلى الازدياد من العلم وخوض غمار البحث والتجريب. وبهذا وحده سيقرأ الكثير من الناس، وستتضاعف لدينا أعداد المنتجين للمعرفة مع القليل من الحث على القراءة. لكن الذي يثير الأسف أن الكثير من دول العالم الإسلامي تسير في الاتجاه المعاكس، بمعنى أنها لا تصنع شيئًا ذا قيمة إلا أنها تتوسع في إقامة المطاعم والفنادق الترفية الفخمة والمنتجعات السياحية والملاهي... والتي تتطلب المزيد من الشباب غير المؤهل، وهي بهذا تشجع على وجود مستويات متدنية من التعليم والتأهيل، فالسوق غلاّب، يُجلب إليه ما ينفق فيه.

جزء من كل (2)

د. عبد الكريم بكار 20/4/1427

كنت قد تحدّثت في المقال السابق عن أن كل شيء يخضع لنوعين من النظم: نظم داخلية ونظم خارجية، وضربت لذلك مثالًا بـ (القراءة) ، واليوم أحاول تقديم مثال ثانٍ ومثال ثالث إن أمكن:

أ- التربية عمل كبير وخطير، تحكمه شروط داخلية وشروط خارجية، وهذا ما يجعلها عبارة عن جهد جزئيّ في محيط كلّيّ. أما الشروط الداخلية، فهي تعود إلى شخصية المربي وأسلوبه التربوي ومدى قدرته على التأثير في من يربيه؛ كما تعود إلى شخصية المتلقي للتربية ومدى قابليته للتفاعل مع المربي ومدى انسجامه معه، وهي شروط ليست بالكثيرة. وإذا كان التغيير في خصائص متلقي التربية ليس بالأمر اليسير، فإن الأمر كله يعود إلى شخصية المربي وبراعة أسلوبه وحسن تأتّيه...

أما الشروط الخارجية المؤثرة في نجاح العمل التربوي، فهي عديدة منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت