فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 292

2 -ينبغي أن يهيمن على علاقاتنا بغير المسلمين الإحساس بواجب التبليغ ؛ فأمتنا صاحبة حاجة لدى الأمم الأخرى ، وهذه الحاجة تتمثل في حرصها على أن تصل دعوة الإسلام إذا أمكن إلى كل شخص في العالم ؛ فأهل عصرنا يعيشون أزمات صامتة خانقة ، والإسلام هو المنقذ الوحيد لهم من تلك الأزمات .

3 -التناقض بين الأمم كثيرًا ما يفرض أشكالًا من العداء والصراع ، وهناك شواهد كثيرة قديمة ومعاصرة على أن الصراع حين يقوم كثيرًا ما يكون قيامه على أسس من الخلاف العقدي أو العنصري أو التاريخي ... لكنه في الغالب يتحول بعد مدة إلى صراع من أجل المصالح ، ومن الضروري عند هذه النقطة أن يظل الصراع مرتبطًا بالتناقض العقدي ؛ لأن ذلك ينبه الخصم إلى أننا نصارع من أجل القيام بواجب ديني دعوي ، وليس من أجل تحقيق مصلحة مادية خاصة ؛ وحين يأخذ الصراع طابع تحقيق المصالح يفقد الكثير من مشروعيته ، ويفقد المساندة التي يحتاجها من عموم الأمة .

4 -في حالة التناقض تكون مقولات المتناقضين أقرب إلى الجلاء والوضوح ، وحين يبدأ الصراع كثيرًا ما ينطمس التناقض المنهجي ، وتسود روح الثأر والانتقام ؛ ولذا كان من أدبيات الصراع المسلح لدى المسلمين أن يبدؤوا بدعوة الخصم إلى الإسلام أولًا إعلانًا منهم أنه قتال بسبب التناقض وما يستلزمه ، وليس من أجل مصلحة دنيوية ، وحين أوصى أبو بكر رضي الله عنه جيشه وصيته المشهورة بعدم قتل النساء والأطفال إلخ ... كان يهدف إلى ألاَّ تضيع ميزات جيش المسلمين وأخلاقياته وأهدافه الأصلية من الجهاد في خضم الصراع ومحاولات الغلب والظفر .

5 -الدعوة إلى الله تعالى هي الأساس وانتشارها هو الهدف . وحتى نتيح للناس سماعها ، فيجب أن نهيِّئ الأجواء الملائمة للتبليغ . وحين ينشب صراع فيجب أن يستهدف على المدى البعيد تحقيق تلك الأجواء ؛ ولذا فإن الصراع الشديد والطويل كثيرًا ما يطمس معالم التناقض ، ويحرم الدعوة من الهدوء الذي تحتاجه ، وربما كان قبول النبي صلى الله عليه وسلم بشروط قريش المجحفة في صلح الحديبية من أجل تأمين الجو الهادئ الذي يتيح لقريش التعرف على الإسلام .

6 -يأخذ الصراع شكل الطفرة وشكل الانقلاب ، ويتسم القائمون عليه بالحدة وقصر النفس ، وتسيطر عليهم العاطفة ، أما التميز المنهجي والحضاري فيأخذ شكل العمل المتراكم ، ويتحلى أصحابه بروح الثورة والاستمرارية والعطاء على المدى البعيد ؛ ومن المهم ألا نفقد هذه الروح في حمأة الغضب .

7 -نقطة التفوق الكبرى لدى أمة الإسلام اليوم تتمثل في المنهج الرباني الذي تشرُف بحمله ؛ على حين أنها في الميادين الاقتصادية والتقنية العسكرية ضعيفة وعالة على الأمم الأخرى ؛ ولذا فإن من المهم أن نكثّف المجابهة في الساحة التي نملك عناصر القوة فيها ، وأن نكون على حذر ، من أن يجرنا الخصم إلى ساحة تفوُّقه ، فنفقد ميزاتنا ، وتضطرب أمورنا .

والله ولي التوفيق .

ركز الله جل وعلا في فطرة الإنسان حب التساؤل والتطلع إلى معرفة المجهول . وتاريخ الإنسانية حافل بالجهود التي يحاول الناس من خلالها الخروج من العماء و ( اللاتكوّن ) . والإنسان إذ يحاول التعرف على الوسط الذي يعيش فيه يسعى إلى فهم ذاته وتيسير حركته واستثمار طاقاته ، وهو في سبيل ذلك مطالب بأن يعرف الكثير الكثير من الحقائق ، وذلك لا يتم إلا بامتلاك المنهج والأدوات الملائمة . إن مما هو مألوف أن نجد بعض الحقائق يبدي طواعية من غير حدود ، حتى إذا حاولت القبض عليه واستيعابه تأبّى على التشكل على نحو ما نجده في المادة الهلامية . وهذا ما يخدع كثيرًا من الناس ؛ حيث يكون قبضهم إذا يظنون أنهم قبضوا على ما يشبه السراب .

ولعلِّي أسلط الضوء على هذه المسألة المهمة من خلال النقاط الآتية:

1 -إدراك الإنسان للمحسوسات والمجسَّمات أسهل بكثير من إدراكه للمعنويات والعقليات ؛ فنحن نكاد لا نبذل جهدًا يذكر في التعرف على لون ثوب أو مساحة غرفة أو وزن هاتف ، أما إذا تحدثنا عن شجاعة شخص أو أثر الرخاء في حياة شعب ، أو أثر اليتم في حياة طفل ومستقبله ، فإننا سنختلف اختلافًا بينًا في ذلك ؛ حيث يكون التعامل مع عناصر غير ملموسة ، وبعضها غامض جدًا يصعب الحدس به .

دعونا نقول: إن ( الحقيقة ) ليست ذات جوهر واحد ، أو ذات طبقة واحدة ، وإنما هي ذات طبقات عدة ، بعضها فوق بعض ، وكلما صرنا للبحث في طبقة أعمق احتجنا في إدراكها والتعامل معها إلى أسلوب جديد أو وسيلة جديدة ، ووجدنا أنفسنا على أرض هشة ؛ حيث يشتد النقص في وسائل المعرفة ، كما يزداد الاعتماد على عناصر ذات طابع يكاد يكون شخصيًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت