فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 292

الإمكانات الذهنية التي أكرمنا الله بها والنصوص والأدلة المتعلقة بالقضية موضع الاجتهاد والخلفية الثقافية للمجتهد (وهي ما كان يُسْمّى بالأهلية) بالإضافة إلى الواقعة نفسها والظروف والخلفيات المحيطة بها . وتَمَكُّنُ المجتهدين من كل ذلك متفاوت إلى حدًّ بعيد ، وهذا كله ينفي عن المجتهد دوام الصواب في كلّ ما ينظر فيه . وأن من المفيد أن ننظر إلى المجتهد بعيون أبناء زمانه حيث تخلصوا من وَهْمِ التقديس بسبب من المعاصرة والمعاشرة ومعرفة الخفايا والإمكانات لبعضهم بعضًا .

إننا إذا لم نتمكن من التجديد الذاتي فسنعرِّض أنفسنا إلى غزو من الخارج ، أو انحباسٍ داخلي يعقبه انفجار لا ينبع معه الترقيع ! وإن تجاوزنا المعطيات مراحل عديدة في حياة المتقدمين لنلتصق بالادلة في إطارٍ من مقاصد الشريعة العامة أمر حيوي للغاية ؛ حتى لا نقعَ ضحيةً للغرق في مراحل الانحطاط والتدهور التي مرت بها هذه الأمة في قرونها المتأخرة ! وعلى الله قصد السبيل .

(*) العقابيل: الدواهي .

#{ وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}

قصّ الله - تعالى- علينا في كتابه العزيز نبأ لقاء موسى بالعبد الصالح الخضر -عليهما السلام- ، وما جرى بينهما من إخبار الخضر لموسى بعدم صبره على ما سيراه من أعماله ، وتعهد موسى بالسمع والطاعة وعدم العجلة حتى يكون الخضر هو الذي يخبره بكنه ما يراه وعواقبه ، كما تضمنت القصة عدم تمكن موسى -عليه السلام- من الصبر الذي التزم بمكابدته . وفي ثنايا هذه الواقعة عبر ودروس عديدة نجلوها في النقاط التالية:

1-أراد الله -تعالى- أن يُعلّم موسى وجوب تفويض ما لا يعلمه إليه ؛ فقد ورد في الصحيح أن رجلًا سأل موسى على ملأ من بني إسرائيل: هل تعلم أحدًا أعلم منك ؟ قال: لا . فأوحى الله إليه: بل عبدنا خضر أعلم منك [1] . وفي هذا إرشاد لأولي النهي أن يقفوا الموقف المنهجي مما لا يعرفونه ؛ فنبي الله موسى كان رسولًا من أولي العزم ، وهو كليم الله ومبلغ رسالته ، ومع هذا بين الله له وجوب تفويض ما لا يعلمه إليه ؛ فهو لم يجتمع بكل البشر ، ولم يعرف مقادير ما خصَّ الله به من شاء من عباده .

وفي هذا الزمان تشعبت العلوم ، وتفرغت حتى صار من العسير على الواحد منا أن يحيط بفرع من فروع المعرفة فضلًا أن يحيط بها جميعًا . وأمانة العلم تقتضي التريث بالفتوى والتحرز من التطاول على ما لا نحسن حتى لا تجتاحنا الفوضى العلمية ..

2-في هذه الرحلة المباركة وقف موسى موقف المتعلم ، ووقف الخضر في موقف الأستاذ ، مع أنه لا خلاف في أن موسى أفضل من الخضر ، وهذا يدل على أن الأفضلية العامة لا تقتضي التفوق في العلم ، وهذا يحثنا على أن نرجع لأهل الاختصاص في اختصاصاتهم ، وألا نرهق أهل الفضل بالسؤال عما لا يعرفونه ، ولا يحسنونه فيسقطون من أعيننا لعدم معرفتهم ، أو يسقطون ويُسقطوننا معهم إذا ما هم قالوا بغير علم ! ورحم الله الإمام مالكًا حين كان يقول: ( إن من شيوخي من أطلب منه الدعاء ، ولا أقبل روايته ) .

3-التزم موسى - عليه السلام - في البداية بالصبر على ما يراه وعدم العصيان حين قال: { سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ولا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } [الكهف 69] . وهذا الالتزام كان بناء على ما يعرفه من نفسه من الحرص على طلب العلم ومعرفة الخير . وكان تأكيد الخضر له أنه لن يصبر معه على ما يراه لما يعرف عنه من الحرص والالتزام بما شرع الله من حرمة الأنفس والأموال ، وكانت النتيجة إنكار موسى على الخضر ، كما توقع الخضر . وموقف موسى كان على النهج العام الذي ينبغي على المسلم سلوكه ، وهو إنكار ما خالف الشرع وعدم السكوت عليه ما دام ذلك ممكنًا ، ولا يعكر صفو هذا خصوصية الموقف والحادثة [2] .

وقد أنكر موسى على الخضر مع علمه بقدره وعلمه لأن المنهج فوق الأشخاص أيًا كانوا . وقد ابتليت هذه الأمة في تاريخها المديد بأقوام أصيبوا بداء تقديس الأشخاص وإقامة البراهين على خيرية ما يفعلونه وتسويغ ما يرتكبونه من مناكر ومخالفات قطعية التحريم لما يعتقدونه فيهم من الصلاح ! .

وأدى ذلك إلى غبش عظيم في الرؤية ، وقد حطوا من قدر المنهج المعصوم على قدر ما رفعوا من شأن من يعظمون ! وما زال هذا مستمرًا إلى يوم الناس هذا والله المستعان .

4-كان الخضر موقنًا بعدم صبر موسى على ما يراه منه ، وعلل لذلك بقوله: { وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } [الكهف 68] . وهذا يشير إلى ظاهرة ثابتة في حياة البشر ، هي عدم الصبر على رؤية أحداث وأعمال تخالف ما استقر عندهم من الأعراف والمعايير ، أو على بذل جهود لا يرون لها نتائج تنسجم معها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت