فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 292

1-فطر الله -تعالى- الناس على حب التملك وحب الاستقلال، ولهذا فإنهم يحاولون الاستحواذ على أوسع مساحة ممكنة من الفضاءات المعنوية والمادية، فلا تكاد ترى شخصًا سويًا يبحث عن الدونية والمكانة المنخفضة، كما أنك لا تكاد تجد شخصًا سويًا يبحث عن مكان ضيق يقيم فيه، أو يبحث عن شخص يشاركه في المساحة المملوكة له. والذي يبدو أن هذا الميل ليس خاصًا بالإنسان؛ فهناك دلائل عدة، تشير إلى أن كثيرًا من الكائنات الحية، يسعى إلى امتلاك حيز خاص به، وينظر إلى من يتجاوزه على أنه عدو، تجب مقاومته. وقد ذكر بعض الباحثين أن بعض الأسماك يطلق رائحة كريهة من أجل منع أي كائن من الاقتراب من المساحة التي يعدها مجالًا حيويًا له!

2-هذا يعني أننا حين نضع عشرة من الرجال أو الأولاد في حجرة ضيقة يسكنها في العادة شخص أو شخصان، فإننا نعرضهم لصعوبات ومشاكسات، تشبه ما يتعرض إليه المساجين في دولة متخلفة! ما النموذج الذي يقدمه هؤلاء العشرة على الصعيد الخلقي والاجتماعي؟ في ملامسة الجواب يمكن أن نقول الآتي:

أ - سيشعر كل من في المكان بالضيق وشيء من الاكتئاب والملل، وذلك لأن هذه الوضعية مخالفة لما فُطر عليه الإنسان من بسط سلطانه ونفوذه على أوسع مساحة ممكنة. وقد دل العديد من الدراسات على أن الناس حين يعيشون في مكان واسع وأنيق يتبادلون فيما بينهم مشاعر أكثر حميمية، ويكونون أشد تعاطفًا. وحين يعيشون في مكان ضيق أو قذر أو فوضوي قد بُعثرت محتوياته، فإنهم يتبادلون مشاعر الضجر والتقزز والضيق.

ب - سيشعر كل واحد من سكان المكان أن الذين يساكنونه يزيدون في ضيق المكان، ويشكلون ضغطًا عليه، أي أن وجودهم غير إيجابي، ويتمنى لو كان عددهم أقل، حتى لو كان أولئك الساكنون أخيارًا وطيبين أو كانوا إخوة وأقرباء، فالناس عند ازدحام المصالح يقدمون مصالحهم في الأعم الأغلب، والإيثار هو الشيء القليل الذي يشبه الاستثناء والشذوذ.

ج - المنزل الذي يسكن فيه أولئك العَشَرة سيفقد قدرته على القيام بوظائفه؛ فالمكان ككل الأشياء يفقد الكثير من ميزاته ووظائفه إذا حمّلته فوق طاقته: الجلوس في ذلك المكان والنوم والحركة... كل ذلك سيكون غير جيد ولا مريح، وأماكن الخدمة الملحقة بالمنزل ستكون أيضًا في حالة سيئة...

د - سيتعرض كل مَن في المكان المشار إليه إلى امتحان صعب؛ إذ إن المطلوب منهم جميعًا أن يظهروا بمظهر المسرور المطمئن والراضي بما هو فيه، مع أن واقع الحال ليس كذلك، ولهذا فإن معظمهم سيخفق في هذا الامتحان، وستجد الأنانية والأثرة والمحاصّة والتبرم، وستجد التوتر والنزق... والسبب وراء كل ذلك أنهم لا يعيشون في وضع طبيعي بسبب عدم أهلية المكان لاستيعابهم.

هـ- في هذا المكان الضيق يحدث نوع من الانكشاف الثقافي المؤذي، فنحن نقدِّر بعضنا، ونتعاذر لعدد من الأسباب، من أهمها أننا نستطيع من خلال قلة الاحتكاك بيننا أن نحجب عن بعضنا بعض المواقف والوضعيات والتصرفات التي تعكر الصورة الذهنية التي رسمها كل واحد منا عن معارفه وإخوانه وزملائه... أما في هذه المعايشة الصعبة فإن قدرة السكان على الظهور بالمظهر اللائق على نحو مستمر ستكون محدودة؛ إذ إنهم سيفقدون الكثير من طاقتهم الروحية على التصنع والتجمل. ولهذا فإن كل واحد منهم -وهذا في الغالب- سيشعر أن التقدير المتبادل بينه وبين مَن حوله هو أقل من المعتاد والمألوف. وربما تقع بينهم عداوات يصعب في المستقبل تجاوزها.

و- قل مثل هذا في شأن ازدحام السيارات في الشوارع ولاسيما في أوقات ارتفاع درجات الحرارة؛ إذ يشتد نزق الناس حين انقضاء الإشارة الخضراء مرات عديدة وهم في أماكنهم لم يتحركوا إلاّ مسافات قصيرة، ولذا فإن من الصعب الالتزام بأنظمة المرور في حالات الزحام الشديد، حين يشعر الناس أنهم فيما يشبه حالة الطوارئ، ولذا فارتكاب المخالفات ليس شنيعًا!

ولك أن تقول مثل هذا في حالة الازدحام على الخدمات العامة؛ إذ إن من المؤذي جدًا للمرء أن يجلس على باب عيادة طبيب أربع ساعات وهو يعاني من الألم دون أن يحظى بالدخول. في هذه الحال يمكن للناس أن يستسيغوا دفع الرشوة واستخدام الوساطة والتحايل على بعضهم من أجل الدخول في وقت مبكر...

إن فهم هذا النموذج على نحو جيد يساعدنا على تقدير مخاطر (الزحام) والعمل على تلافيها، كما يساعد الآباء والأمهات على القيام بدورهم التربوي في حالة ازدحام مسكنهم الضيق بالكثير من الأبناء والبنات.

إن المزيد من الفهم يعني المزيد من الاقتصاد في الجهد والمزيد من التقدم، والله ولي المتقين.

د. عبد الكريم بكار 2/7/1427

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت