فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 292

إن مهمة المبادئ العليا أن تكيف حياة الناس وتوجهها وفق مضامينها ومعطياتها ، لكن تلك المباديء لا تعمل في فراغ ، وإنما تشتبك مع أمور عديدة من جملتها: العادات الموروثة والظروف الضاغطة والأهواء والشهوات الجامحة والتأويلات والأفهام الخاطئة للمنهج والمباديء ، وهذا كله ينتهي إلى شأن اجتماعي معاش يلخصه ميل الناس بصورة دائمة إلى جعل النهج الرباني جزءًا من ثقافتهم ، وقد يكون جزءًا صلبًا ، وقد يكون جزءًا رخوًا على مقدار إقبال الناس على الإسلام وهي التي تجعل من المنهج موجهًا للثقافة ومهيمنًا عليها . ومن هنا فإن أخطر علل التدين هي تلك التي تصيب الأمة في مكانة منهجها ومبادئها من ثقافتها العامة ، فتكف المبادئ عن توجيه الفعل ، أو تنحرف عن غاياتها ومقاصدها ، فلا تحقق الحكم المقصودة في تشريعها ، ويكون الجهاد الدائم هو محاولة الإبقاء على المنهج الرباني ساطعًا متألقًا متميزًا عما تواطأ عليه الناس من عادات وتقاليد .

ومازال بحمد الله في مجتمعنا المسلم من يحرص على الصيام على الوجه الأكمل ، وهم في تزايد مستمر لكن الأكثرية الكاثرة من هذه الأمة انحرفت بالصيام عن مقاصده التي ذكرنا أهمها آنفًا ، فعلى حين كان السلف يعدون رمضان فرصة سانحة يغتنمونها في صنوف الطاعات ، نجد كثيرًا من المسلمين يسهرون الليل في ضروب من اللهو المختلفة حتى إذا اقترب وقت السحر تناولوا ما لذ وطاب من الأطعمة ، ثم ناموا قبل أداء صلاة الفجر ، وإذا كان هذا النائم موظفًا فإن وقت بداية العمل في رمضان يكون متأخرًا ، فيقوم متثاقلًا إلى عمله ليكمل نومه هناك ! وإن كان غير موظف فإن رمضان هو شهر النوم عنده فيستغرق في نومه إلى قبيل المغرب ، فيفوت عليه أكثر من فريضة صلاة ! ! ومع هذا فإن الشعار المرفوع لدى كثير من الموظفين هو أن رمضان شهر عبادة وليس شهر عمل (العبادة التي قدمنا صورة منها ! ) .

أما تهذيب النفس من خلال الجوع فحدث عن هذا ولا حرج ، حيث إن التجار يشرعون في الإعداد لمستلزمات رمضان قبل مجيئه بنحو شهرين ، وتقدر بعض الجهات أن ما يستهلكه كثير من المسلمين في رمضان يصل إلى ثلاثة أمثال ما يستهلكونه في غير رمضان ! ! وقد صار رمضان عبئًا ثقيلًا على الحكومات التي توفر السلع المدعومة لمواطنيها !

وقد كان السلف يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، فإذا انصرم دعوا الله ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم أعمالهم في رمضان . أما اليوم فإن كل وسائل الإعلام في العالم الإسلامي تشعر الناس بأن رمضان ضيف ثقيل فكأنه شر لابد منه ، ومن ثم فإن كثيرًا من البرامج ينصرف إلى الترفيه عن الناس بما يجوز وما لا يجوز ، وانقلب الشهر المبارك إلى موسم للهو واللعب !

وما يحدث لكثير من المسلمين في هذا الشهر المبارك أمر مفهوم ، حيث إن الأمة حين تمر بحالة من الركود الحضاري تكف مبادئها عن الفعل وتسيطر عليها الشكليات والعادات ، فجيوشها لا تقاتل ، ومبدعوها لا يعرفون والفضائل فيها شعارات ، والعبادات عادات .. وتستمر في ذلك حتى تندثر باعتبارها أمة متميزة أو يبعثها الله بعثًا جديدًا يحيي ما اندرس من سابق عهدها ، وما ذلك على الله بعزيز .

#{ إن خير من استأجرت القوي الأمين }

قصّ الله جل وعلا علينا خبر موسى مع شعيب عليهما السلام حين جاء مدين ، ووجد ابنتين لشعيب قد منعتا غنمهما من الورود بانتظار ذهاب الرعاء وفراغ المكان ، وما حدث من تطوع موسى بالسقيا لهما ، وما كان من أمر شعيب حين بلغه ما قام به موسى حيث أرسل له يطلبه ليجزيه على ذلك وذكر لنا القرآن الكريم كذلك نصيحة ابنة شعيب لأبيها باستئجاره ، وعللت ذلك بقوة موسى وأمانته ، ويذكر المفسرون أن شعيبًا عليه السلام أثارت حفيظته الغيرة من كلامها ، فقال: وما علمك بقوته وأمانته ؟ فذكرت له أن موسى حمل حجرًا من فوق فوهة البئر ، لا يحمله في العادة إلا النفر من الناس وتلك قوته ، وأنه حين ذهبت تكلمه أطرق رأسه ، ولم ينظر إليها ، كما أنه أمر المرأة أن تمشي وراءه ، حتى لا تصيب الريح ثيابها فتصف ما لا تحل له رؤيته وتلك أمانته .

وقد صدق حدسها فهي ما رأت إلا نبيًا من أولي العزم المؤتمنين على الوحي ، الأشداء الأقوياء ! وقد قيل: إن أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف حين قال ( عسى أن ينفعنا ) [1] ، وأبو بكر حين اختار عمر لإمارة المؤمنين . [2]

وقد جمعت ابنة شعيب عليه السلام في تعليلها المختصر ذاك بين أمرين عظيمين ، ينضوي تحتهما معظم الكمالات الإنسانية ، وهما الأمانة والقوة ، وهذه وقفات سريعة معهما:

1-ليست الأمانة هنا إلا رمزًا لما يستلزمه الإيمان بالله تعالى من المحامد كالإخلاص والأمانة والصدق والصبر والمروءة ، وأداء الفرائض والكف عن المحرمات ؛ وقد قال أكثر المفسرين في قوله سبحانه: { إنا عرضنا الأمانة } [3] الآية: إن المراد بها التكاليف الشرعية عامة [4] ، وقد وصفت ابنة شعيب موسى بالأمانة لغضه طرفه ، ومشيه أمامها .

أما القوة فهي رمز لمجموع الإمكانات المادية والمعنوية التي يتمتع بها الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت