فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 292

2-الأمانة والقوة ليستا شيئين متوازيين دائمًا ، فقد يتحدان ، وقد يتقاطعان فالصبر جزء من الأمانة ؛ لأنه قيمة من القيم ، وهو في ذات الوقت قوة نفسية إرادية ، وإذا كان العلم من جنس القوة ، فإنه يولد نوعًا من الأمانة ؛ إذ أهله أولى الناس بخشية الله ، { إنما يخشى اللهّ من عباده العلماء } [5] والإيمان أجل القيم الإسلامية ، فهو من جنس الأمانة ، ومع ذلك فإنه يولد لدى الفرد طاقة روحية هائلة تجعله يصمد أمام الشدائد صمود الجبال ، ومن ثم كانت الظاهرة الإسلامية العالمية:

ظاهرة ( المسلم لا ينتحر ) ! . إن هذا التلاقي بين الأمانة والقوة يمثل بعض الأرضية المشتركة لتلاقي أهل الأمانة وأهل القوة ، كما يجعل التحقق من إحداهما المعبر للتحقق من الأخرى .

3-سوف يظل النمط الذي يجمع بين القوة والأمانة نادرًا في بني الإنسان وكلما اقتربا من الكمال في شخص صار وجوده أكثر ندرة ، والقوي الذي لا يؤتمن ، والموثوق العاجز هم أكثر الناس ، والذين فيهم شيء من القوة وشيء من الأمانة كثيرون ، وقد روي عن عمر رضي الله عنه: » أشكو إلى الله جَلَد الفاجر وعجز الثقة ، فكل منهما لا يمثل المسلم المطلوب ، ودخل عمر أيضًا على لفيف من الصحابة في مجلس لهم فوجدهم يتمنون ضروبًا من الخير ، فقال: أما أنا فأتمنى أن يكون لي ملء هذا البيت من أمثال سعيد بن عامر الجمحي ، فأستعين بهم على أمور المسلمين ! .

4-العمل المقبول في المعايير الإسلامية هو ما توفر فيه الإخلاص والصواب والإخلاص ضرب من الأمانة ، والصواب وهو هنا موافقة الشريعة ضرب من القوة ، هذا بصورة عامة ، لكن في أحيان كثيرة يكون ما يطلب من أحدهما أكثر مما يطلب من الآخر ؛ فالثواب يتعلق بالإخلاص أكثر من تعلقه بالصواب ، فالمجتهد المؤهل ينال أجرًا إذا استفرغ وسعه وإن كان اجتهاده خاطئًا ، لكن لا ثواب ألبتة على عمل لا يراد به وجه الله تعالى ، أما النجاح والوصول إلى الأهداف المرسومة في الدنيا فإنه مرتبط بالصواب أكثر من ارتباطه بالإخلاص ، فكم من مؤسسة يديرها أكفاء ليس عندهم شيء من الأمانة ، ثم حققت أهدافها المادية كاملة وكم من مؤسسة أدارها أخيار غير مؤهلين ، فأعلنت إفلاسها !

وقد ذكر ابن خلدون أن للناس مذهبين في استخدام الأكفاء غير الثقات وتقديمهم على الثقات غير الأكفاء ، واختار هو استخدام غير الثقات إذا كانوا مؤهلين ؛ لأن بالإمكان وضع بعض التدابير التي تحد من سرقاتهم أما إذا كان المستخدم لا يحسن شيئًا فماذا نعمل به ؟ ! [6]

وقد ولى النبي -صلى الله عليه وسلم-أهل الكفاية الحربية مع أن في الصحابة من هم أتقى منهم وأورع ؛ لأن القوة (البسالة وحسن التخطيط) تطلب في قيادة الجيش أكثر من الأمانة ، مع أنهم كانوا بكل المقاييس من الأمناء الأخيار وطلب بعض الصحابة ممن عرفوا بالزهادة والورع الولاية على بعض أمور المسلمين فحجبها عنهم لضعفهم .

5-نحن في مراجعة أخطائنا نركز على جانب الأمانة ، ونهمل جانب القوة فإذا ما أخفقنا في عمل ما قلنا نحن بحاجة إلى تقوى وإخلاص ، وإن اتباع الأهواء هو السبب في ذلك ، ولا ريب أن الإخلاص مفتاح القبول والتوفيق وأن التقوى تستنزل الفرج ، لكن ما هي المعايير التي تمكننا من قياس درجة التقوى ومقدار الإخلاص الموجود إذا ما أردنا التحقق منه وكيف نستطيع التفريق بين عمل دفع إليه الهوى وآخر دفع إليه الاجتهاد ؟ ! كل ذلك مما يستحيل قياسة ، وبالتالي فإنه لا يمكن تحديده وما لا يمكن تحديده لا يصلح لأن يكون هدفًا .

وبإمكان الناس أن يقولوا: إلى ما شاء الله نحن أتباع هوى دون أن تستطيع أن ترد على أحد منهم ردًا شافيًا قاطعًا ! على حين أن قياس القوة ممكن ، وإدراك الخلل فيها يكون عادة ظاهرًا يمكن وضع الإصبع عليه فحين يأتي خطيب ليتولى إدارة جيش ، أو التخطيط لمعركة ، وحين يتولى رسم سياسات العمل رجلٌ لا يعرف الواقع ، فلا يقرأ جريدة ولا يستمع إلى نشرة أخبار ، ولا يحسن قراءة أي شيء يحيط به ، فإن الخلل لا يحتاج إذ ذاك إلى شرح حيث تتولى شرحه النتائج ! . وحين يتصدى للاجتهاد في أمور خطيرة أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من المعلومات حولها ، وتترتب على اجتهاداتهم فواجع أكبر من أي جريمة ماذا تكون الحال ؟ !

لقد آن الأوان لوضع الأمور في نصابها ، بتأهيل الشخص قبل إيجاد العمل الذي سيعمله ، بدلًا أن يوجد المنصب ثم يبحث عمن يسد الفراغ ليس أكثر !

6-عالمنا الإسلامي النموذج المثالي للقوى الكامنة ، فكل ما عندنا (خام) الإنسان والطبيعة والموارد ، ولعل لله في ذلك حكمة بالغة ؛ إذ أن تشكيل الإنسان المسلم لو تم قبل بزوغ الصحوة المباركة لكان أكثر ضررًا من بقائه على حاله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت