فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 292

من الواضح اليوم أن ثقافة ما بعد الحداثة تشجع على انبعاث الهُويّات في كل أنحاء العالم من خلال عمل غير مقصود، وهو المناداة بالنسبيّة الثقافيّة والتأكيد على انعدام الأطر والمرجعيّات، وجعل الحقيقة شيئًا تابعًا للثقافة. وتكمّل العولمة المهمة حين نعتمد نظام التجارة أداة أساسية في تسليع كثير من مظاهر الحياة، وجعلها أمورًا جاهزة للمتاجرة والمساومة. إن هذا الدفق الهائل من الرموز والصور الاستهلاكيّة يساعد -على نحو استثنائي- على انتشار الهُويّات المقاتلة دفاعًا عن الوجود، وقد لا يكون أمامنا لإدارة الصراع المحتدم في عمق الثقافة على هذا الصعيد إلا أن ندعم الأنشطة الروحيّة والأدبيّة والاجتماعيّة ذات النفع العام، وأن نحاول إضفاء المعنى على الأنشطة الدنيويّة من خلال الحرص على شرعيتها، وشرح ما يمكن أن يجعلها موصولة بالأعمال الأخرويّة. وما لم نفعل ذلك فإننا سنعاني من الانقسام والتمزق في أعماق ثقافتنا، وسنشعر بالكثير من تشتت الجذور وضياع الأهداف الكبرى

#محاور للتربية الاجتماعيّة

نستطيع القول: إننا نعيش في مرحلة كونيّة فريدة، بسبب ما أحدثته ثورة الاتصالات والبثّ الفضائي من تداخل واختلاط بين البيئات الثقافية المتباينة. كان الناس في الماضي يربّون صغارهم في بيئات مغلقة، ووفق معايير ومفاهيم تربوية محدّدة وخاصة، ولهذا فإن الأطر التربوية السائدة كانت في موضع إجماع، أو ما يشبه الإجماع. ومن ثم فإن الأزمات التربوية كانت تفسّر على نحو دائم على أنها بسبب مشكلات في التنفيذ وقصور في التطبيق ليس أكثر. النماذج والقدوات في المجتمعات المختلفة كانت ترمز باستمرار إلى نجاح الأصول التربوية المشتركة وتغري بالدفاع عنها.

لا يعني هذا كله بالطبع أن الأمور كانت على ما يرام، كما لا يعني أن التطورات التي قلبت تلك الأوضاع رأسًا على عقب كانت من الشر الخالص، لكن ذلك يعني أننا أمام فرص وتحدّيات جديدة. أما الفرص فتتجلّى في كسر العزلة التي كانت سائدة بين الشعوب المختلفة، وكسر حدّة البرمجة المحلية -والتي تتسم غالبًا بالتشوّه والقصور- للعقول والنفوس كما تتجلّى في توفّر قدر هائل من الخبرات المتقدمة والمطلوبة لتحقيق قفزات نوعية في تنمية الأفراد والمجتمعات، إلى جانب إنعاش حاسّة المقارنة.

أما التحدّيات فتتجسد أساسًا في إضعاف المحاور والأسس التي كانت تقوم عليها التربية في المجتمعات الإسلامية، مما أدّى إلى نوع من الانقسام في الوعي، وإلى إرباك عام في الأساليب التربوية الموروثة.

في حال الانفتاح وتعدد المحكّات والنماذج التي تتم الإحالة الشعورية واللاشعورية عليها، تكون المشكلة الجوهرية في فقْد الأرضية المشتركة، مما يدفع في اتجاه التناحر والتفكّك الاجتماعي، يحدث كل هذا في الوقت الذي يتمّ فيه تهميش سلطة الدولة والمدرسة والأسرة والمجتمع لصالح سلطة المال والإعلام. أي إن التربية تواجه تحدّيين في وقت واحد: سحب الكثير من الصلاحية والتأثير من المؤسسات التربوية المهمة، وصيرورة الأسس التربوية موضع جدل ونزاع واعتراض. وهذا شيء خطير للغاية.

في حالة كهذه يكون علينا أن نستنبط من عقيدتنا وثوابتنا محاور أساسية ننسج حولها مئات المفاهيم والرموز التربوية ذات الدلالة الاجتماعية، ونحاول نشرها وتعميمها على أوسع نطاق ممكن. ومع أنني أكره المبالغة في كل شيء، وأعتقد أن من اليسير على التربية أن تنجح فيما أخفقت فيه السياسة والاقتصاد والإعلام والتعليم إلا أنني أظل أميل إلى أن التربية الأسرية تظل قادرة على ممارسة فن الممكن أي إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

استطاع علماؤنا القدامى من خلال نظرهم الثاقب، واستقرائهم لمجمل أحكام الشريعة الغراء -أن يستنبطوا مقاصد أساسية سموها (الكليات الخمس) ، وهذه الكليات هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض وحفظ المال. وأوجدوا بعض الترتيبات بين هذه الكليات، حيث يُضحّى بالأنفس من أجل حفظ الدين، ويُضحّى بالمال من أجل سلامة الأنفس والأعراض. ولم يتحدث الأصوليون عن هذه الكليات بوصفها منطلقات وأسسًا لتربية اجتماعية راشدة ومتماسكة؛ لأن هذا كان خارج اهتمامهم واختصاصهم. لكن نستطيع نحن اليوم أن نقوم بذلك من أجل جعل تربيتنا الاجتماعية أشد تمحورًا حول قطعيّات الشريعة، وأشد استجابة لمقتضيات التديّن العميق، ولعلي أبدي هنا الملاحظتين الآتيتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت