فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 292

الشاغل الأول للثقافة الشعبيّة بما هي عادات وتقاليد ونظم ورمزيّات يتمثل في تحقيق أكبر قدر ممكن من التلاحم الأهليّ والتواصل الأخويّ وهي في سبيل تحقيق ذلك تجد نفسها مضطرّة إلى التغاضي عن كثير من الأخطاء الاجتماعية، والقبول بالكثير من الأوضاع والأشياء السيئة والضارة. إنها تجعل من نشاطها مركزًا للتسويات، وتبدي براعة نادرة في إبداع أنصاف الحلول وإمساك العصا من الوسط.

إن الناس يلوذ بعضهم ببعض في الرأي والموقف كما تلوذ الطير ببعضها أيام الصقيع.

إن التقليد والحرص الدائم على التوافق والتطابق، يعطي دائمًا إشارات الرّضا عن الأوضاع السائدة؛ لأنه يساعد على ذبول ملكة التمييز والتفريق بين الأشياء، ويجعل القدرة على النقد في أوْهَى حالاتها.

إن الثقافة الشعبية السائدة في أي مجتمع تدفع بالناس نحو التوحّد الشكلي بسبب الصندوق الذي تضعهم فيه. وذلك الصندوق مملوء بالتّحيّزات والأهواء والرؤى الجزئيّة المبتسرة، كما أنه مملوء بالمعايير والمقاييس غير العلمّية وغير الموضوعيّة. وفي كل الحالات يكون الخروج من ذلك الصندوق أو محاولة النظر إلى ما في خارجه -على أقل تقدير- شرطًا أساسيًا لامتلاك رؤية أصيلة ونظرة جديدة للذات وللعالم.

إن الوحي بما هو شيء منفصل عن إنجازات البشر، يُخرج أفذاذًا من الناس من صناديقهم الثقافيّة، ليقوموا بعد ذلك هم وأتباعهم بكسر الاتّساق والمنطق الشكليّ الذي يشعر به سكان الصندوق؛ لكن ذلك لا يكون من غير ثمن، يقول الله - جل وعلا-: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران:19] .

العلم هو الذي أخرج إبراهيم -عليه السلام- من التّبعيّة لأبيه ليصبح هاديًا له ومرشدًا (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم:43] . والثمن الذي يدفعه الأنبياء -عليهم السلام- وكل أولئك الذين يسيرون على منهجهم في الخروج على المألوف وإرساء قواعد جديدة للحياة -إن الثمن الذي يدفعونه هو القتل والإيذاء والاضطهاد والطّرد من الديار.

والحقيقة أن التفكير العميق والمنهجي هو الآخر يقوم بخلخلة ما يبدو متصلًا ومنسجمًا، ويقوم بإيجاد الفراغات وفتح الفجوات فيما يبدو ممتلئًا ومتماسكًا، إنه يزرع روح التحديث في جسد التقليديّ والمستمر. وبذلك يلتقي نتاج الفكر بثوابت الوحي وحقائق العلم، أو قل: يعمل العقل، ويشتغل على قطعيّات الوحي ومسلمات العلم.

حيث تغادر بلدك بجسدك، فإنك تكون أمام فرصة حقيقيّة للتخلص من كل المفاهيم البالية والضغوط الاجتماعيّة الخاطئة، ومن كل الأهواء التي تُشبع بها أولئك الذين ما زالوا يقيمون في ذلك الوطن، وتُتاح لك فرصة أقل من هذه الفرصة حين تملك فضيلة التأبي وفضيلة التمييز بين الصواب والخطأ والحسن والقبيح، ولو كنت تعيش بين أهلك وفي مدارج صِباك. إنه الانفصال العقليّ والروحيّ الناتج من الامتلاء بالهدي الرّبانيّ: في كلتا الحالتين سيشعر المرء بالغربة، وبشيء من العُزلة والتفرّد، وسيواجه ضغوطًا وأزَمات لا يجدها أولئك المقيمون في أوطانهم، وأولئك المشتغلون بلقمة يومهم، الراضون بالفُتات والفاقدون للتّمييز. وقد قال عليه الصلاة والسلام:"بدأ الدين غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".

دين واحد بمفرده يحتفظ بنقائه واتجاهه وأهدافه بين عشرات الأديان والمذاهب والتيارات؛ إنه لشرف عظيم ومهمة صعبة. ومسلمون غرباء، يحاولون الاحتفاظ بنقائهم -أيضًا- ويعملون على إصلاح ما تفسده الجماهير العريضة. هؤلاء المسلمون طوبى لهم ثم طوبى!!

حين تغترب ببدنك أو بعقلك ومشاعرك فإنك تضع نفسك على رأس طريقين: أن تعيش على الهامش تجترّ آلام الغربة، وتبكي من الوحدة، وتبذل كل جهدك من أجل الاستمرار في الحد الأدنى من العيش تأكل وتشرب وتتكاثر وتتنفس، وإلى جانب ذلك تغرق في الحديث عن محاسن وطنك الذي فقدته ومساوئ البلد الذي حلَلْته، أو تغرق في ذكر مثالب الناس الذين يخالفونك في اتجاهك وانتمائك ورؤيتك للحياة. وتغرق في الحديث عن العامة والدهماء والغوغاء، وما أنعم الله -تعالى- عليك به إذ لم تكن واحدًا منهم.

أما الطريق الثاني: فهو أن تنطلق من نعمة الخروج من الصندوق والتحرّر من قيود الاستكانة لما هو سائدٌ وطاغٍ. وحينئذ فستشعر أنك تملك ما لا يملكه غيرك من ثقوب النظر والقدرة على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة. وستشعر أن في إمكانك أن تكون صاحب رسالة، تعيش من أجلها، وتعيش بها، وبهذا وحده يكون للغربة -بشقّيها- معنى، وتكون لها ميزة.

إن المسلم الملتزم والواعي بشجون عصره سيواجه من الآن فصاعدًا المزيد من الشعور بالغربة، وإن عليه أن يعدّ نفسه للاستفادة من هذا الشعور كي يجعل منه وقودًا روحيًا في حركة التحرير: تحرير الذات وتحرير الأمة وبناء المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت