د. عبد الكريم بكار
يحكم شؤوننا العامة والخاصة نوعان من النظم: نظم ثقافية تقوم على العقائد والأفكار والقيم والرمزيات والعادات والتقاليد، ونظم حضارية، تنبثق من مبادئ وحاجات الإنتاج والاستهلاك والتبادل المادي، وما يدور في فلك ذلك ويقتضيه. النظم الثقافية، تشكل روح الحضارة وعقلها المدبر، على حين توفر النظم الحضارية كل ما من شأنه الارتقاء بالهياكل والأوضاع المعيشية. وبين هذه وتلك من الجذب والنفور والتأثير والتأثر ما بين الشكل والمضمون والروح والجسم. ونحن نشهد اليوم دفقًا ثقافيًا هائلًا، لم يسبق للبشرية عهد بمثله، وهذا الدفق مع أنه سيظل وثيق الصلة بالفلسفة العميقة للأمم التي تقود الحضارة اليوم إلا أننا عند التأمل نجد أنه يشكل ما يمكن أن نعده منتجًا ثقافيًا ثانويًا للتقدم الحضاري المادي على صعيد الإنتاج والاستهلاك والتبادل. وقد أشار إلى هذه الوضعية مدير شركة (سوني) حين سئل: ألا تراعون في منتجاتكم الخصوصيات الثقافية للدول والشعوب التي تصدرون إليها؟ أشار بقوله: نحن هنا نصنع ثقافات، ولا نجد حاجة إلى مراعاة خصوصيات أو تنوعات ثقافية!
هذه الوضعية تكاد تكون فريدة في تاريخ البشرية؛ إذ إن بطء التطور الحضاري في الماضي كان يسمح بدور مؤثر للثقافة في توجيه النمو المادي، أو يسمح -على الأقل- بدرجة من التكيف والتلاؤم بينهما.
وفي اعتقادي أن كل الأيدلوجيات والقيم، وكل ما كان متصلًا بالرمز والمعنى والعادة يتعرض لامتحان هو الأصعب من نوعه، حيث ينفتح وعينا اليوم -كما لم يحدث من قبل- على تلمس ما هو من قبيل اللذة والمتعة والراحة والمنفعة، وما هو من قبيل المحسوس، والعاجل والسطحي؛ وتتقدم فنون التسويات الفكرية والحلول الوسطى وتذويب الثنائيات على نحو مدهش ومخيف. وصار ما كان يُعد من قبيل المحرمات والممنوعات الثقافية يتضاءل على نحو مستمر ومتصاعد، مما قد يعني في نهاية المطاف ضياع المرشدات العليا لحركة الحياة! وقد دلت الشواهد التاريخية على أن الحضارة تغلب الثقافة، وأحيانًا تقتلها كما يقتل المكانُ الزمانَ، وكما يقتل الامتدادُ الاتجاه. ولا أدري لماذا يحدث ذلك؟ هل لأن الحضارة تعبر عن ذاتها بلغة أوضح من اللغة التي تعبر بها الثقافة؟ أو لأن المنتجات الحضارية على صلة بالملموس وعلى صلة بالأهواء والرغبات على حين تنزع الثقافات إلى المجرد والمتعالي؟ أو أن ذلك يحدث لأن تعميم المنتجات الحضارية أسهل من تعميم الرموز الثقافية؟ أو لأن المشتغلين بتنمية الحضارة يشكلون أضعاف المشتغلين بتنمية الثقافة؟ أو لهذه الأسباب كلها. وعلى كل حال فإن تجربتنا الحضارية الخاصة تدل على أن التقدم العمراني كان يقترن في معظم الأحيان بتراجع في سوية التدين والالتزام الخلقي العميق، وكأن الوعي البشري يرتبك حين يكلف بإدارة منتجات حضارية ضخمة من أفق أصوله وثوابته ورمزياته. وهذا يجعل التقدم الحضاري يشكل خطورة كخطورة هيكل وضعنا له محرك سيارة وكوابح دراجة. وإنها لمغامرة كبرى تلك التي نقوم بها اليوم حين نحفز على النجاح بكل وسيلة إلى درجة جعله غاية في حد ذاته، على حين يخفت الصوت الأخلاقي والقيمي إلى درجة الاستحياء من رفعه!
العربية التي سطرنا في بيان فضائلها وعظمتها الكثير من الصفحات تتراجع في كل يوم بوصفها شيئًا يتصل بالثقافة لصالح اللغات الأجنبية بوصفها شيئًا يتصل بالحضارة. والتربية بوصفها ناقلًا للقيم والعادات والتقاليد تتراجع هي الأخرى، ويترسخ (التدريب) بوصفه متطلبًا للانخراط في سوق العمل. التجارة بوصفها هندسة التبادل المادي تكسب في كل يوم أرضًا ثابتة على حساب قيم النزاهة والصدق والنقاء والشفافية بوصفها مؤشرات أخلاقية...
القوانين والنظم السارية تشكل في الأصل منتجات حضارية تستهدف التقليل من ابتعاد المسار الحضاري عن مسار المدلولات الثقافية؛ وتشهد هذه كلها في بقاع كثيرة من عالمنا الإسلامي نوعًا من الانهيار بسبب انتشار الأنانية والفساد والرشوة والتهرب من الضرائب، مما يعني جمود القيم وانحسار فاعليتها عن توجيه المناشط الحضارية كافة!
مع إيماني العميق بأن لدى الآخرين أشياء كثيرة يجب أن نتعلمها منهم، إلا أنني أؤمن أيضًا أن العقل الغربي يقود العالم إلى الدمار، حيث حصر نفسه في البحث عن الوسائل بوصفها غايات في حد ذاتها.
وأخذت حكمة الغرب -بما هي بحث في الغايات- تتراجع في حياته على نحو مخيف؛ بل إن حكمة الغرب تظل محدودة النجاعة؛ لأنها لا تستطيع بوصفها منتجًا عقليًا بعيدًا عن الاهتداء بنور الوحي -أن تهتدي إلى علة أولى أو إلى غاية نهائية. العلم يبحث في الأسباب والحكمة تبحث في الغايات، وهما معًا في حاجة إلى بعد ثالث هو (الإيمان) والإيمان يبدأ عند انتباه الوعي البشري إلى محدودية كل من العلم والحكمة، لأن الإيمان عقل بلا حدود، ينهل من علم غير محدود.