فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 292

وتكفيرًا عن الذنب أمضى كثير من أولئك - ومنهم أينشتين - بقية عمرهم في الدعوة إلى السلام . ومن العسير على العلماء اليوم أن يتحكموا في كيفية استخدام علومهم وتطبيقاتها حيث إن الشركات والمؤسسات الكبرى هي التي تنفق على أبحاث العلماء في الغرب ، كما أن الدولة في المعسكر الشرقي ترعى العلماء وتنفق عليهم ، مما يجعل إسقاط حقهم في التحكم فيها أمرًا مسلمًا به مسبقًا .

ولا تقف مشكلات التخصص المغلق عند هذا الحد ، فقد وجد مثلًا أن بعض الأمم تولي ثقة للمختصين والفنيين ، وربما يحثونهم على القيام بتشكيل حكومة تسمى بالحكومة (التكنوقراطية) ، أي حكومة الاختصاصيين ، وقد خيب هؤلاء الآمال في كثير من الأحيان ، لأنه ثبت أنهم ينظرون إلى المشكلات الكبرى بمنظور أضيق مما هو مطلوب ؛ لأن مهنتهم وتخصصهم الدقيق يغلب عليهم ، ومن ثم فإنهم عاجزون عن تأمل الأمور من منظور شامل . ومن هنا فإن المجتمع كثيرًا ما يلجأ إلى السياسيين والشخصيات العامة لإصلاح ما أفسده المختصون .

إن في المجتمع حوارات داخلية غامضة ، لا يقف عليها إلا من خالط الناس في شرائحهم العديدة ، ومن ثم يعجز غالبًا المختصون عن قيادتهم وتحسس مشكلاتهم .

وقد عزلت التخصصات المغلقة أصحابها عن طبيعتهم الإنسانية حين تحول العلم على أيديهم إلى مجموعة من الإجراءات التي تقتضي تدريبًا وتعليمًا مكثفًا ، ومن ثم فإن المختص يتباعد تدريجيًا عن رؤية الصورة الكلية للحياة ، كما أن العلم وفق هذا المنهج يفقد وظيفة من أهم وظائفه ، وهي فقه الذات والعودة إليها واستكناه أغوارها ] وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [ [الذاريات: 21] . ومن ثم فقد برز اتجاه يدعو إلى ضرورة خروج العالم من تخصصه إلى تخصصات أخرى قريبة منه تتكامل معه وتثريه ، كما نشأت دعوات للعلماء التطبيقيين أن يقرءوا في الدراسات الإنسانية ، وأن يعايشوا المشكلات اليومية لمجتمعاتهم - ولو بمقدار - حتى يحدث التوازن في ثقافاتهم وشخصياتهم المجتمعية .

وهذه المشكلات هي مشكلات الباحث في العالم المتقدم ماديًا ، أما المختصون عندنا فلهم إلى جانب هذه المشكلات مشكلات أخرى من نوع آخر ، حيث إن الباحثين في ميادين العلوم التطبيقية مازالوا إلى هذه اللحظة عند العلوم ، أما التطبيق فإن الأوضاع في العالم الإسلامي لا تساعد على التطبيق الصحيح ، ولذلك فإن من استطاع من الباحثين الهجرة إلى الغرب هاجر ، ليجد هناك المجال الرحب لتطبيق النظريات التي توصل إليها ، وليضاف إنتاجه بعد ذلك للحضارة الغربية ، ومن لم يستطع الهجرة توقف النمو العلمي لديه ، ثم تراجع ؛ لأن العلم لا ينمو إلا بالتجربة والتطبيق .

أما الباحثون في ميادين العلوم الإنسانية عامة فلهم مشكلة من نوع آخر ، حيث إن عدم تنظيم المعرفة لدينا بالشكل المناسب وانعدام التواصل بين الباحثين جعل كثيرًا منا يجاهد في غير عدو ، وذلك لأن البناء المعرفي أشبه شيء ببناء ذي طوابق ، مع فارق واحد هو أن العلماء كلما انتهوا من بناء طابق معرفي انتقلوا إليه وتركوا ما تحته فارغًا ليشكل أساس البناء ومنطلقاته ، وهذا هو التراكم المعرفي .

والمشكلة أن كثيرًا من الباحثين لدينا يرفضون الانتقال من الطابق الأول إلى ما فوقه ، إما لعدم إدراكهم لضرورة الانتقال ، وإما لعجزهم عنه ، وإما لعدم معرفتهم أن هناك طوابق أخرى فوقهم . وهذا ما نعنيه عند القول: إن المعرفة عند كثير من

باحثينا تفقد صفة التراكم اليوم .

إن كثيرًا ممن يملك أفضل العقول لدينا مشغولون بنشر كتب تراثية أو كتابة بحوث كتب خير منها من أكثر من قرن من الزمان ، وقد يعمل الواحد من سنوات في تحقيق كتاب مخطوط نقله مؤلفه عن كتاب مطبوع بين أيدينا ، فما الحاجة إلى تكرار غير مفيد ! ! إن ما ينبغي العمل فيه في ميادين العلوم الإنسانية هو كل ما يمثل إضافة للذات ، أو يساعد في حل مشكلة واقعة أو متوقعة ، وما عدا ذلك فهو هدر لطاقات الأمة بأمس الحاجة إليها .

ولا يقف الأمر عند هذا ، بل يتجاوزه إلى أن بعض المختصين يفني عمره في حفظ مسائل وقراءة أبواب لا يحتاج إليها الواقع المسلم في شيء ، ولو أنه التفت إلى واقعه ، ثم أعمل النظر فيما يحتاج إليه ذلك الواقع ، من فقه ، وفهم ، وتفجير للنصوص ، وقراءة للتاريخ ، لاستطاع عمل الكثير لهذه الأمة .

ومن هنا يرى بعض المفكرين أنه لا يمكن تنمية فقه الأولويات ، وفقه الموازنات في وضع حضاري شديد التعقيد ، إلا إذا امتلك المختصون رؤية شاملة ، وعرفوا مواضع أقدامهم ، من خلال معرفة الواقع المعاش والواقع التاريخي ، ومن خلال الانفتاح على الأنشطة الحياتية المختلفة

#{ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ }

قصة البشرية هي قصة البحث عن طريق السعادة والأمن والاستقرار ... وقصة البحث عن الفهم والوضوح ، ومحاربة (العماء) و (اللاتكوّن) لكن نتائج ذلك كثيرًا ما تكون موضوعًا محزنًا للقراءة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت