فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 292

إن معظم ما نقع فيه من أخطاء ليس ناشئًا عن حب الأذى أو الإساءة وإنما ناشئ من القصور: القصور في الفهم والقصور في العلم والقصور في أدوات البحث وملكات الاجتهاد، ولهذا فإن استماعنا إلى بعضنا بعضًا باحترام واهتمام هو الذي يساعدنا على تقليل الضرر الناشئ عن الأخطاء غير المقصودة.

6-نحن في حاجة إلى إرساء تقاليد ثقافية تسهّل علينا الاعتراف بالخطأ، وتسهّل علينا بالتالي الاستفادة من خبرات بعضنا، وأظن أن من أهم ما يحول دون إرساء تلك التقاليد ذلك التسابق المحموم نحو استعراض ما نعرف، وما نتقن، الكل يريد أن يثبت أنه يملك من الرؤية والفهم والمعرفة ما ليس لدى غيره، ومن كان هذا شأنه، فإنه يجد صعوبة بالغة في الاستفادة من غيره أو الاعتراف بأخطائه، نحن في حاجة إلى أن نتعوّد التحدّث عما لا نعرف، وعن المشكلات غير المحلولة، ووجهات نظرنا القاصرة وغير الناضجة، لنتحدث عن هشاشة معرفتنا ببعض المسائل، وعن عجزنا عن تقليب النظر في بعض القضايا، وسنجد أننا بهذا الأسلوب من احترام المنهج واحترام عقول الناس نكون قد وضعنا أنفسنا على بداية طريق المثاقفة وتلقيح الفكر، وما أجمل قول الله - جل وعلا-: ( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ...) [الأنعام: من الآية50] ، وقوله: (...وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: من الآية188] . إنه التأسيس لتقليد الأعراف بمحدودية العلم والقدرة، وهذا ما نحتاج إليه في سياق استعراض تشخيصاتنا وعلاجاتنا للمشكلات العالقة

د. عبد الكريم بكار 18/8/1426

يتضح لنا يومًا بعد يوم أن معظم المشكلات التي يعاني منها الناس، لا يعود إلى ما هو موجود في الواقع، ولا إلى ضعف الإمكانات والمعطيات المادية، وإنما يعود إلى قصور في الذهنية، وإلى خلل في رؤية الأشياء، وإلى خلل في آلية التفكير وعتاد العقل. ولو أننا تأملنا في طريقة تفكير الشباب لوجدنا أن لها طابعًا خاصًا يميزها عن طريقة تفكير الشيوخ. وبما أن التعميم في كل شيء يشكل خطأ في الحكم، فإنه يمكن القول: إن هناك من الكهول والشيوخ من يفكر بنفس طريقة الشباب؛ لأنه يملك روح الشباب وحيويته وتوقّد ذهنيّته. وهناك أيضًا من الشباب من لا يفكر كما يفكر الشاب الذكيّ، وذلك ليس لأنه يفكر بلون آخر من منهجية التفكير، وإنما لأنه لا يفكر أبدًا! فما معالم تفكير الشباب؟ وما وجه المفارقة بينه وبين تفكير الشيوخ؟

1-تتعاظم الخبرة لدى الكبار في السن، وتنضج التجربة والرؤى، وتكتمل القناعات. ولهذا -ولا شك- ميزته الكبرى، بل هو إحدى الثمار اليانعة للمعاناة الطويلة والأخطاء المتكررة، لكن لهذا أيضًا مشكلاته وعقابيله العديدة، والتي منها كثرة الحديث عن الماضي، والإغراق في تحليله وبيان أزماته وممانعاته. بمعنى آخر يجد الكبير في السن نفسه وكأنه صار مكبلًا مرتبكًا بأثقال التجربة الكبيرة التي خاضها.

إن الخيال ينقل الوعي من بؤرة الخبرة ويجعله على حوافها؛ ليكون متصلًا بالمظنون والمجهول والمتوهم والمحتمل. وحين تكون الخبرة عريضة وعميقة، فإن مغادرة الخيال لحدودها تصبح أمرًا شاقًا. وهذا يجعل المرء يبدو وكأنه يدور حول نفسه.

أما الشباب، فإن لديهم القليل والقليل جدًا مما يمكن أن يتحدثوا عنه، ولهذا ميزاته وسلبياته. حين يفكر المرء من غير خبرة يتكئ عليها فإنه يكون مهددًا بالتهور وبالبعد عن الحدود التي يرسمها الواقع، وخطورة مثل هذا التفكير تتمثل في اتخاذ قرارات غير عملية، والتطلع إلى الحصول على أشياء لا يمكن الحصول عليها، مما يجعل الشاب يتعرض في النهاية إلى موجات من اليأس والإحباط، لكن التفكير الإبداعي يتطلب من المرء أن يكون مستعدًا لرؤية الأشياء خارج الأنماط المألوفة، وبعيدًا عن الارتباطات السببية المعهودة والمعمول بها، ومن هنا فإن معظم المبدعين هم من الشباب، ومن يكبرهم قليلًا.

إن السذاجة كثيرًا ما تكون عبارة عن محرّض لبذل أعظم الجهود وتحمّل أكبر المشاق، وهذا ما نجده لدى الشباب ونجده أيضًا لدى الكتاب، إننا -معشر الكتاب- نتمتع بسذاجة كسذاجة الأطفال؛ إذ نعتقد أن ما نكتبه يؤثر تأثيرًا بالغًا في حركة المجتمع، ومع أن هذا قد لا يكون صحيحًا في كثير من الأحيان، وهو مبالغ فيه في معظم الأوقات إلا أنه يشكل الوقود الحيوي للاستمرار في الكتابة بوصفها عملًا عظيم التكاليف وقليل الجدوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت