3-لا ينبغي للتثاقف أن يكون عبارة عن اقتباس واستعارة فحسب، بل ينبغي أن يوفر مسارًا لنقد الذات. علينا أن نقف من بعضنا الموقف الصحيح القائم على الاحترام المتبادل المصحوب بنشاط محموم من أجل الوعي بالذات والآخر، وهذا لا يكون إلا من خلال بعث حركة نقدية شاملة تستهدف توفير الكثير من وجهات النظر المختلفة في المسائل الإصلاحية الكبرى، ونحن في الحقيقة في حاجة إلى نظرة جديدة للنقد؛ إذ ارتبطت النظرة القديمة إليه بالنزاع والشقاق والتسفيه والعدوان.. النظرة الجديدة لا تقوم بوصف النقد وسيلة لإبراز العيوب والمساوئ فحسب، وإنما تقوم بوصفه أداة للكشف عن مساحات الصواب والجمال والخير أيضًا، وعلى عده مصدرًا لإضاءة الواقع من أجل النهوض به. إنك حين تنقدني توفر لي مادة تساعدني على نقد ذاتي من خلال منظار جديد، وحين أنقدك أفعل مثل ذلك. وهذا مشروط بلزوم الحق والإنصاف والتحلي بالأدب الإسلامي الرفيع في هذا الشأن حين يعلمني شخص كيف أنقد ذاتي، فإنه يقدم لي هدية قد لا أعرف الحصول عليها من غير أي طريق آخر، ومن هنا فإن مثاقفة النقد تكتسب أهمية فريدة.
من أجل المثقافة (2/2)
د. عبد الكريم بكار 17/9/1426
كنت قد تحدثت في المقال السابق عن بعض الأفكار التي تتعلق بمسألة المثاقفة والتبادل الفكري والمعرفي، وفي هذا المقال سأتحدث عن المزيد من النقاط المكملة بغية المزيد من البلورة لهذه المسألة المهمة.
4-سيظل الشعور بالحاجة إلى المثاقفة واهيًا ما لم نعتقد على نحو راسخ أن مساعينا إلى معرفة الحقائق لا تكون أبدًا منتجة على نحو كامل، بمعنى أننا لن نحصل على اليقين الكامل في كثير من القضايا التي نتداول فيها الرأي.
وهذا يعود أساسًا إلى أن الله - جل وعلا- جعل في كل ظاهرة من الظواهر عنصرًا غيبيًا استأثر بعلمه، وليس للبشر سبيل إلى معرفته. وهذا العنصر حين يُكتشف يؤثر في فهمنا للظاهرة وفي موقفنا منها. حين نتحدث عن المخاطر المحدقة وعن الفرص المتاحة والأحداث المتوقعة، فإننا في الحقيقة نتحدث ونحن في منطقة بين العلم والظن، أو بين الظن والشك أو بين الشك والوهم. وإن نظرة فاحصة على تحليلاتنا للأحداث الكبرى منذ عشرين سنة إلى اليوم تكشف -على نحو جليّ- عن دقة هذه الرؤية. وإذا كان واقع الحال على ما نصوّره -وهو إن شاء الله كذلك- فإن من المتوقع أن يعرف شخص متخصص أو باحث في مسألة من المسائل كالفقر أو البطالة أو التلاحم الاجتماعي ما لا يعرفه باحث متخصص في المسألة نفسها، وهذه المعرفة الشخصية حين تمتزج بخلفية فكرية وثقافية خاصة، فإنها تسفر من غير ريب عن رؤية مغايرة وتحليل مختلف. وهذا كله يدعونا إلى عدم التصلب في اجتهاداتنا وإلى عدم المبالغة في الاعتزاز بما تبلور لدينا من أفكار واتجاهات، بل إن هذا يتطلب منا أن ننتظر من بعضنا الأفكار التي تساعدنا على اكتشاف جوانب الخطأ في نظرياتنا.
تعالوا في هذه المرحلة لنعمل على بلورة الأخطاء في طرق تفكيرنا، وعلى إعطاء هذه البلورة الأولوية على تصحيح ما نعتقد أنه خاطئ، وأنا أعتقد أن الباحثين في الفكر الإسلامي والناشطين في ساحات الصحوة محتاجون اليوم إلى إعلاء شأن تحديد نقاط الخلل في طروحاتهم؛ فالذي يكتشف أنه وقع خلال مسيرته الإصلاحية في عشرين خطأ أرفع مقامًا وأولى بالتقدير من الذي لم يكتشف إلا خمسة أو عشرة أخطاء؛ وذلك بقطع النظر عمّا قام به كل واحد منهما من تغيير وتجديد في مسيرته الفكرية والعملية، وإنما نقول هذا لأن اكتشاف الخطأ في المجال الفكري كثيرًا ما يكون ناتجًا عن إصلاح طريقة التفكير، وعن امتلاك رؤية جديدة للتعامل مع المعطيات المختلفة. إن الضعف يحيط بنا إحاطة الثوب بالبدن، وإن معلوماتنا محدودة، لكن جهلنا غير محدود، حتى إنه من القول: إن العلم الذي لدى كبار الباحثين والمتخصصين هو علم ظرفي ووقتي، ووثاقته مرتهنة بالوقوف على المزيد من المجهول منه، وأنا أعتقد -على نحو جازم- أنه لو قُدّر لنا أن نطلع على كل الحقائق والمعلومات والمعطيات المتعلقة بقضية من القضايا، فإن أحكامنا عليها سوف تتغير، وقد تنقلب رأسًا على عقب!
من خلال الحوار والتفاهم العقلاني ومن خلال الإحساس بعدم الكمال، قد نصل إلى تصحيح أخطائنا أو زيادة الوعي بها - على الأقل- وبذلك نقترب معًا على ما بيننا من تباين من معرفة الحقيقة.
5-نحن لا نهتم بالبحث عن أوجه القصور في تفكيرنا، كما أننا لا نهتم كثيرًا بالجرم الذي يرتكبه أولئك الذين يتسترون على الأخطاء، ولا أدري لماذا يحدث هذا. ربما كان اعتقادنا بسلامة نياتنا وحسن مقاصدنا يدفعنا إلى الظن بأننا مجتهدون، وما دمنا مجتهدين فإننا مأجورون على اجتهادنا، ومن ثم فإننا لسنا في حاجة إلى المراجعة والبحث عن الأخطاء، ولا شك أن هذا خاطئ؛ إذ إن الذين يحملون نوايا سيئة ضد مصلحة الإسلام أو ضد مصلحة المسلمين أو ضد مصلحة أوطانهم هم نادرون جدًا، لكن الذين يسيئون إلى كل ما ذكرناه يفوقون الحصر!