2-كثيرًا ما يشعر المثقف أنه يرى ما لا يراه غيره ممن يحيطون به، وهذا كثيرًا ما يولّد لديه مشاعر نرجسيّة صفويّة، كما يولّد لديه الاعتقاد بإمكانية فهم الواقع ومعرفة هموم الناس من غير مخالطتهم، وقد لاحظنا أن تشكيل ثقافة النخب قد تحول إلى ما يشبه الصناعة المغلقة؛ فصور الواقع يرسمها المثقفون، ويقومون بتحليلها، ويتداولونها بينهم، وهم وحدهم الذين يبتكرون الحلول للمشكلات ويشخّصون الخارج من الأزمات، وكثير منهم تكيّفوا مع أفكارهم، ويتوحّدون مع ذواتهم لاعتقادهم أنهم يعيشون في مجتمعات جاهلة وفاسدة، وهذا ما يجعلهم يشعرون بالغربة والعزلة الهامشية. وقد انعكس ذلك على طروحاتهم التغييرية، فهي ما بين سوداء ورماديّة!
إن الشعور بالتفوق شيء يصعب الاحتراز منه، وكون المثقف يرى ما لا يراه غيره صحيح نسبيًا، لكن لا ينبغي لهذا وذاك أن يحرمنا من التغذية الراجعة وقراءة ردود أفعال الناس على ما نخاطبهم به، كما لا يصح أن يحجبنا عن سبر الواقع عن طريق الإحصاء والمعايشة الفعلية وعن طريق الحوار مع الناس العاديين المستهدفين بالرسالة التثقيفيّة.
3-إذا عدنا إلى الوراء مئة سنة من الآن، فسنجد أن المثقف النخبوي كان هو الأكثر أهمية على الساحة، ونخص بالذكر طلاب العلم الشرعي وحاملي الثقافة الشرعية. إنهم يشكلون المرجعية للناس، ويؤثرون فيه ويعيشون معهم ألوان معاناتهم اليومية. أما اليوم فقد اختلف كل هذا على نحو جذري، وهذا الاختلاف يعود إلى وجود خطابات عديدة تنافس الخطاب الإسلامي، وتشوّش عليه، كما أن وظيفة الثقافة العليا إسلامية وغير إسلامية، في صياغة الثقافة الشعبيّة وتوجيهها قد تراجعت إلى أدنى مستوياتها. وما نسمع عنه اليوم من متابعة وتصويت لبعض البرامج المخجلة والتافهة، يوضح لنا أن تنظير المثقفين ومعالجاتهم باتت في واد، وبات معظم الناس في واد آخر.
إن الخطاب الثقافي النخبوي وكذلك الخطاب السياسي يفقد زخمه وتأثيره وجاذبيته على سبيل التدرّج بسبب التغيّرات العالمية، ولا سيما ما حدث على صعيد الثورة التقنية في مجال البث والاتصال. والحقيقة أن التغيرات التي حدثت خلال السنوات العشر الأخيرة؛ وذلك بسبب بروز مؤثرين جدد في الحياة الاجتماعية من خارج الدوائر التقليديّة لصناعة الفكر والمعرفة.
وقد صار لرجال الأعمال والإعلام ومهندسي الحاسبات ومصممي الأزياء ونجوم الطرب والكرة- حضور قوي ومتابعة شعبية كثيفة، تفوق متابعة رافعي مشاعل المعرفة وموقدي مصابيح الفكر. ومن المؤسف أنك حين تلتقي بكثير من صانعي الخطاب الإسلامي تجد أن طروحاتهم ورؤاهم وآمالهم في الإصلاح والتجديد والنهضة بعيدة كل البعد عن اعتبار المعطيات الجديدة، وذلك لأنهم يكفرون بالطريقة نفسها التي فكر بها أسلافهم قبل ثلاثة قرون.
وقد صار لمن كانوا يُسمّون بالعامة والغوغاء وضعيّة عامة تؤثر فيها الأفلام والمطاعم الأمريكيّة، والأذواق والأزياء الأوروبيّة على نحو طاغٍ ونافذ، ولم يشعر كثيرون منا بهذا، ولا حاولوا التكيف معه على نحو إيجابي.
إن على المثقفين أن يدركوا حدودهم الجديدة، وأن يعيدوا النظر في المفاهيم والمقولات التي كانوا يدركون من خلالها الواقع العام للأمة. كما أن عليهم أن يدركوا على نحو دقيق ما تبقّى لهم من دوائر التأثير، ويحاولوا الاستثمار فيها بشكل مكثف، بالإضافة إلى إدراك المسؤوليات الجديدة التي فرضتها التغيّرات الإيجابيّة والسلبيّة الحديثة.
إن التأمل هو التفكير ، وليس هناك شيء أولى بتسليط نور الوعي عليه من الوضعيّة التي صار إليها أولئك الذين عليهم أن يشخّصوا أدواء الأمة، ويصفوا لها العلاج
هناك خوف مستمر من أن يؤدي طول الأمد وامتداد الزمان إلى حرف الاتجاه وتضييع الأهداف الكبرى؛ إذ إنّ أي انحراف صغير يكبر مع مرور الأيام ليصبح انحرافًا كبيرًا. لا نجادل اليوم أن هناك اتجاهًا كبيرًا في كل عالمنا الإسلامي إلى التغيير.
وفي أحيان كثيرة يشعر الناس بشيء من الإصلاح. وهذا يحدث في غالب الأحيان بسبب الأوضاع الجديدة الناجمة عن التطور التقني -ولا سيما في عالم البث والاتصال- وانفتاح العالم بعضه على بعض. وهذا كثيرًا ما يغري شريحة واسعة من الناس بالانغماس في الحديث عن الإصلاح والمطالبة به. ونحن أمة نحتاج في الحقيقة إلى إصلاح كل النظم التي لديها: التربوية والتعليمية والاقتصادية ومن بينها النظام السياسي؛ فأوضاع معظم البلدان الإسلامية في المسائل الحقوقية والنزاهة المالية وحسن تصريف الأمور الإدارية هي أوضاع أقل ما يُقال فيها: إنها مخجلة! لكن من المهم أن نكون على وعي بشيء آخر، هو ضرورة الاحتفاظ بـ (الحسّ الدعويّ) النقيّ والمبرَّأ من شهوة الحصول على منافع شخصية عاجلة. وأودّ هنا أن أُبدي الملاحظات الآتية:
1-يُلاحظ اليوم أن طابع المناداة بالإصلاح يرتدي حلّة المطالبة بالحقوق أكثر من أي شيء آخر. فهذه جماعة تريد أن تحصل على حرية التعبير، كما هو شأن المشتغلين بالإعلام. وهذه فئة تطالب بالسماح لها بتشكيل حزب سياسي. وهذا فريق يطالب بتحسين الأجور... الخ