فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 292

ليكن تفكيرنا بعد كل قراءة في المحصلات النهائية التي يمكن أن تغير في منهجية التفكير لدينا: هذه فكرة تدعم رؤيتنا للواقع. وتلك فكرة توجب عليَّ أن أكون أكثر حذرًا حيال التعميم في الحكم على الاتجاه الفلاني. وهذه فكرة ثالثة تُظهر سطحيتي في رؤية القضية الفلانية وهكذا...

إن الذي يملك معلومة أشبه بمن يملك قطعة ذهبية. أما الذي يملك منهجًا في رؤية العالم، فإنه أشبه بمن يملك مفتاح منجم من الذهب. ولك أن تتخيل الفرق بينهما!

# الوطنية: انتقال من الغريزة إلى العقل

د. عبد الكريم بكار

مفهوم الوطن من أكبر المفاهيم التي تتغلغل في طبقات وجودنا غير الواعي. ويبدو أنه راسخ في التراث الجيني للبشرية، كما أنه كذلك بالنسبة إلى الحيوان.

المجال الحيوي الذي يرسمه كل واحد منا لنفسه، يعمق مفهوم الوطن واقتحام ذلك المجال يثير فينا مشاعر عدوانية لا يثيرها أي تصرف آخر. الأعلام والرايات التي ترفعها الدول فوق أراضيها تحمل معنى الاختصاص بمكان والتمسك به والذود عنه. وللمكان عبقريته الفذة القادرة على توليد ما لا يحصى من المشاعر والمفاهيم والخلفيات المشتركة بين كل أولئك الذين يقطنون فيه، ومنها جميعًا تتشكّل معاني (المواطنة) على نحو مبهم وغير مرئي.

ولعلي أقف مع مسألة الوطنية الوقفات التالية:

1-الوطنية ذلك المعنى النبيل شيء أسمى من الحضور في مكان والانتماء إليه؛ إنها كيان معنوي يبنيها الأفراد الصالحون من خلال التضحيات التي يقدمونها من أجل صلاح المجموع وسلامتهم وكرامتهم. وهذه التضحيات تتعاظم لتبلغ حد التضحية بالحياة نفسها؛ ولذا فإن (الشهيد) يمثل رأس الهرم في البناء الوطني، ولن يكون المواطن صالحًا إلا إذا حمل بين جوانحه معنى من معاني الشهادة، والتي تمثل قمة العطاء غير المحدود، وغير المشروط. والذين لا توحي إليهم (الوطنية) بمعنى من هذا القبيل يشكلون عبئًا على أوطانهم.

2-حب الوطن والساكنين فيه ومناصرتهم، غريزة لدى الإنسان، يندفع للعمل بمقتضاها دون وعي منه؛ لكن من الثابت أيضًا أن اجتماع الناس بعضهم مع بعض، يولِّد في حد ذاته توترات كثيرة بسبب ضعف المفاهيم الجامعة، وتصادم المصالح وانتهاك الفضاءات الخاصة. وهذا يعني أن على أبناء كل وطن أن يبحثوا عن صيغة للتعايش إذا ما أرادوا تحقيق درجة من التقدم الحضاري. وهذه الصيغة لا يمكن لها أن تنشأ من غير توفير الحد الأدنى من القيم المشتركة والفهم المتبادل. وهذا من جهته يتطلب أن ننمي في العقلية الجماعية رؤية واضحة لمعطيات الواقع وآفاق المستقبل. إن ما لدينا من غرائز ودوافع فطرية، يظل كافيًا لتوجيه وتنظيم أوضاعنا البدائية، مما هو على شاكلة النمو والتكاثر والحد الأدنى من البقاء؛ لكن الإنسان الذي كرّمه الله -تعالى- وجعل منه خليفة ومتعه بالخيال والطموح والإرادة الحرة -لا يستطيع أن يحيا بكامل خصائصه، كما لا يستطيع توفير كل حاجاته إذا ما خضع للدوافع الغريزية، بل عليه دائمًا أن يتخذ قرارات صعبة وشاقة، ومن تلك القرارات تنبثق إنسانيته حيث تنشط دوافعه العدوانية في ظل نظم قيمية تكسر حدتها، وتجعلها جزءًا من حياة طيبة متوازنة تُلبي فيها الرغبات في إطار من المشروعية والتعاون والتضامن الأهلي.

3-على مدار التاريخ، وفي كل مكان من الأرض ظلَّت (الوطنية) تعاني من معضلتين اثنتين، هما: فوضى المشاعر، وعدوان الطموحات غير المحدودة. ونجد في سياق المعضلة الأولى أن سعي الكائنات الحية -بدءًا بالفيروس وانتهاء بالإنسان إلى المزيد من الاستقلال- قد أجَّج مشاعر الأنانية. والبحث عن الخلاص الشخصي لدى كثير من الناس بعيدًا عن التفكير في شجون الآخرين. وجاءت (العولمة) لتعزز هذه النزعة، فهي تزيد في مشاعر الفردية، وتدمر أحاسيس التعاون والانتماء بما تمارسه من خلع للفرد من أسرته، وللأسرة من المجتمع، وللمجتمع من أمته الكبرى. وهذا ما أشاع في الناس هواجس الخوف من المستقبل.

ونجد إلى جانب هذا مشاعر الولاء المتطرف للوطن والتعلق بكل ما فيه، والحرص الشديد على عدم مغادرته مهما كان الثمن، ومشايعة أهله على الحق والباطل. وقد تضخم ذلك عند بعض الشعوب، حتى أفرز حركات قومية وعنصرية (النازية نموذجًا) غاية في التطرف وتمجيد الذات واحتقار الآخرين. وهي تطل برأسها من جديد اليوم في أكثر دول العالم إحرازًا للتقدم التقني. وهذا كله يتم بدافع من الغريزة، بعيدًا عن موازين الحق والعقل. وقد قال الشاعر العربي قديمًا:

وهل أنا إلا من غُزيَّة إن غوت …غويت وإن ترشد غزية أرشدِ

وقال الآخر:

إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم …على القوم لم أنصر أخي حين يُظلم

إن مجال الوجدان يستعصي أكثر من أي مجال آخر على سلطان العقل؛ مما يجعل الفوضى والاختلال من سماته الأساسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت