فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 292

إن كل هذه الممارسات الذهنية والمعرفية ما هي سوى طرق لترويض الحقائق ، ومناهزة استيعابها . وهي لا تعدو أن تكون ضروبًا من ( المقاربة ) لما نبتغيه . وهي جميعًا تعمل خارج منطقة اليقين والصواب القطعي . وفي هذه العمليات التي أشرنا إليها يقع الكثير من المجازفة والتعسف والتجاوز . وتقدُّم الوعي الإسلامي ولا سيما على الصعيد الشعبي ضعيف جدًا في هذا الحقل ؛ بل إن كثيرًا من الصفوة من ذوي الثقافة العليا يسلكون مسلك العامة في بعض الأحيان حيال التعامل مع معطيات التفلسف والنظر العقلي . مع أن من الواضح أن ( الفلسفة ) لا تمنحنا الدقة ، ولا تساعدنا على التحديد ، وإنما تزيد في درجة شفافيتنا ، وتساعدنا على رسم الاتجاهات والتعامل مع المسائل الكلية .

4 -في البنية العميقة للمعرفة الإسلامية مرونة فكرية كبيرة ، نحن اليوم في أَمسّ الحاجة إلى التشبع بها وتمثلِها في عمليات الاستنباط والاختلاف والتقويم المختلفة . ومن الملاحظ أن الفكر الحداثي الغربي يقوم اليوم على ركائز غاية في التطرف ؛ فهو شديد التأرجح بين الشك المطلق واليقين المطلق ؛ بين العقلانية المطلقة وبين جحود أي ثابت من الثوابت ، وقد تأثر بهذا كثير من الرؤى الحضارية المعاصرة في بلاد المسلمين .

أما الرؤية الإسلامية في هذا المجال ، فإنها تقوم على ( الوسطية ) المبصرة ؛ فهناك اليقين ، والظن القوي والظن الضعيف ، والشك القوي والشك الضعيف .

والاقتراب من الحقيقة متفاوت ، كما أن التورط في الخطأ متنوع ، وحين وضع الأصوليون قواعد تفسير النصوص لاحظوا هذا المعنى بدقة متناهية ؛ ولذا ذهبوا إلى أن النص قد يكون ظني الدلالة ، فيقبل آنذاك التأويل والفهم المتعدد .

ولاحظوا على سبيل المثال أن الأمر قد لا يفيد الوجوب ، بل قد ينصرف عند وجود قرينة إلى الإرشاد أو الندب أو الإباحة ، كما أن النهي قد يفيد مجرد الكراهة ، وليس الحرمة . العلاقة بين المقدمات والنتائج والأسباب والمسببات في كثير من الآداب الغربية تميل اليوم إلى ( التصلب ) حيث يحاول كثيرون هناك إضفاء معنى التلازم والاطراد على الارتباط القائم بين حدث وآخر .

وقد بات كثيرون لدينا يستخدمون عبارات الجزم والتأكيد فيما تأبى طبيعته ذلك . وقد كان من أدب علماء المسلمين أن يقولوا عقب بسط آرائهم واستنتاجاتهم:

« والله أعلم » ليشعروا القارئ باحتمالية ما ذهبوا إليه وعدم استحواذه على اليقين .

وكان من لطيف ما قرروه قولهم: « مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب » ولو أنهم قالوا: « مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ، ومذهب غيرنا صواب يحتمل الخطأ » لما أبعدوا النجعة ؛ حيث يرى بعض الأصوليين أن كل مجتهد مصيب . ومن أدب المسلم وصفاء اعتقاده أن يقول إذا تحدث عن شيء مستقبلي: « إن شاء الله » و « بإذن الله » ليذكّر السامعين أن الأمر كله لله ، وليشعرهم بوجود علاقة لينة بين ما نراه أسبابًا ، وما نراه مسببات . إن كل ما نصل إليه من مقولات وطروحات يظل أغلبيًا يحتمل الكثير من الشذوذ ، كما يحتمل الوهم والغلط ؛ وما ذلك إلا لأن إمكانات التجريب في عالم الفكر والشأن الإنساني عامة محدودة ومعقدة ؛ مما يجعل كل براهيننا على ما نقوله ذات وزن نسبي ومدلولات ترجيحية ، ليس أكثر . وإن من أهم سمات الرجل العقلاني أنه لا يستمسك بآراء وأفكار ليس لديه ما يكفي من البراهين عليها .

الحمد لله حمد الشاكرين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:

فإن الشخصية مركّب فذ من الجسد والروح والنفس والعقل ، ولها بعدٌ اجتماعي عظيم الأثر في وجودها . وإن كل نمو إيجابي في أي جانب من جوانبها ينعكس عليها جميعًا ، كما أن أي خلل يصيب أي جانب منها يعود بالضرر عليها جميعًا .

يستمد الاهتمام بالبعد العقلي نوعًا من التميز من خلال أن التفكير الجيد شرط لتنمية كل شيء في الحياة: التربية والاجتماع والاقتصاد والسياسة والعلاقات ...

ويعد أي تطوير لأي جانب من جوانب الشخصية بالغ الأهمية ؛ حيث إن الرؤية الإسلامية تؤسس مقولة: ( الإنسان أولًا ) . أضف إلى هذا أن التقدم المادي والعضوي قد يكون محددًا بأسوار تجعل المضي فيه أمرًا عسيرًا أو مستحيلًا ، على حين أن أمداء النمو أمام البعد العقلي والروحي فسيحة جدًا .

إن العقل البشري نعمة عظمى من الله جل وعلا وله قدرات هائلة ، هي أكثر مما يظن . ويمكن القول: إنه أشبه بعملاق نائم ! وقد دلّت الدراسات النفسية والتربوية ، وأبحاث الكيمياء والفيزياء والرياضيات أن ما تم استخدامه من إمكانات العقل لا يزيد على 1% من إمكاناته الحقيقية . الحاسب الآلي (كراي) حاسوب عملاق يزن سبعة أطنان ، فإذا عمل بطاقة 400 مليون معادلة في الثانية مدة مئة عام ، فإنه لن ينجز سوى ما يمكن للدماغ البشري أن ينجزه في دقيقة واحدة ] فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ [ [المؤمنون: 14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت