-في بنائنا المعرفي ثغرات واضحة، لا تخطئها عين الناقد، وتلك الثغرات كثيرة، ولعل من أهمها إهمال تاريخ العلوم، وإهمال اكتشاف مقاصد التشريع بالإضافة إلى التقصير الظاهر في التعرف على سنن الله تعالى في الخلق، والتقصير في معرفة طبائع الأشياء ولا سيما الطبيعة البشرية، إن العلوم الإنسانية والعلوم البحتة كذلك تُقدّم للناشئة مبتورة من بعدها التاريخي؛ فتبدو وكأنها تكونت منذ البداية على الصورة التي عليها الآن حيث لا يعرف الدارسون تاريخ نشوئها ولا الأطوار التي مرت بها، كما لا يعرفون شيئًا ذا قيمة عن العلماء الكبار الذين تركوا بصماتهم عليها، ولهذا فإنك لا تشعر أن ما نقدمه في المدارس والجامعات يبني عقولًا منهجية، أو يبني شخصيات تتمتع بالاستقلال الفكري والمعرفي، وما ذلك إلا بسبب شعورهم بضآلة ما يتلقونه وغموضه. إننا في الحقيقة لا نستطيع أن نفهم أي علم على نحو عميق إلا إذا فهمنا تاريخه وخارطة تكوينه وتحوّلاته، ومن المؤسف أننا لا نبذل جهدًا يذكر في شرح كيفية تحدّر الجديد من القديم، وليس لدينا أي جامعة أو كلية أو معهد يقدم شيئًا متميزًا في تاريخ أي علم من العلوم!
إن التجديد المعرفي والاجتماعي سيكون صعبًا من غير الاطلاع على الأطوار السابقة لعلومنا وأوضاعنا، إننا من خلال قراءة تاريخ العلوم نتعرف على بواعث الاجتهاد وبيئاته والعقبات التي تواجهه، كما أننا ننمي لدينا حاسة المقارنة، ونكتسب المزيد من المرونة الذهنية، والمزيد من القدرة على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة، وقد صدق من قال:"إذا أردت أن تعرف المستقبل فانظر إلى الماضي"؛ إذ تمكننا معرفة الماضي من اكتشاف السنن التي تجسد العلاقة بين ما فات وبين ما هو آت، ومن خلال هذا وذاك نكتشف آفاقًا جديدة للتطوير، ونفتح حقولًا جديدة للممارسة، وقد آن الأوان للعمل على استدراك بعض ما فات، والعمل على توظيف التاريخ في تغيير نوعية الحياة لمئات الملايين من المسلمين.
د. عبد الكريم بكار 20/7/1426
وصفوا القرن التاسع عشر بأنه كان قرن (التفاؤل) بسبب كثرة الفتوحات العلمية التي حدثت فيه. ووصفوا القرن العشرين بأنه كان قرن (التشاؤم) بسبب اشتماله على حربين عالميتين وأكثر من مئة حرب إقليمية ومحلية. أما القرن الحادي والعشرون -والذي ما زلنا في بدايته- فلا ندري الاسم الذي سيكون لائقًا به في نهاية المطاف، لكن بعض أصحاب الرؤى الإستراتيجية يرون من الآن المسارعة إلى تسميته بقرن (التعقيد) . وأعتقد أنهم محقون في هذه التسمية. والسبب في وجاهة هذا الاسم هو أن أبرز ملامح التطورات المتسارعة التي نشاهدها على كل صعيد هو (التنوّع) : تنوّع في الطُّرز وتنوّع في العناصر المكونة للمصنوعات، وتنوّع في الفهم وفي التفسير للنصوص والأحداث، وتنوّع في الأمراض والمشكلات والأزمات، يصحبه تنوّع في الحلول والأدوية والعلاجات... وإذا تساءلنا عن أكثر الأشياء ملازمة للتنوع فسنجد أنه (التعقيد) . وإذا تساءلنا مرة ثانية: ما الذي يترتب على التعقيد أو ما الذي يلازمه؟ لوجدنا العديد من الأشياء التي يمكن أن نتحدث عنها؛ لكن لعل ما يهمنا منها ثلاثة، هي:
1-ارتباك الوعي؛ إذ إن الوعي الأكثر قدرة على استيعاب الأمور المعقدة هو الوعي الذي تشكل ونما في بيئة صناعية. أما الوعي الذي تشكل في بيئة رعوية أو زراعية، فإنه يجد صعوبة بالغة في فك رموز التركيبات الشديدة التعقيد. وهذا هو حال الوعي لدى معظم المسلمين؛ إذ إنه ليس هناك أي دولة إسلامية يمكن أن توصف بأنها (دولة صناعية) بمعنى الكلمة!
2-صعوبة العجز عن إدارة الأشياء المعقدة والتحكم التام بها. خذ مثالًا على ذلك السيطرة على التدفق الثقافي الأجنبي. وخذ السيطرة على موضوع (الاستنساخ) ، هذا العمل البالغ الخطورة والذي يمكن أن يتم في شقة مستأجرة! وخذ السيطرة على تلوث البيئة وارتفاع حرارة الأرض. إن كل هذه الأشياء ومئات الأشياء على شاكلتها باتت خارج السيطرة، وهذا شيء مقلق ومخيف.
3-المرونة؛ إذ إن من شأن كثرة العناصر التي أدّت إلى التعقيد أن تتيح قدرًا كبيرًا من المرونة في التعامل مع الأشياء على صعيد إيجاد تكوينات جديدة، وعلى صعيد إيجاد حلول للمشكلات القائمة. إن بعض العطور اليوم مكوّن مما يزيد على ستين عنصرًا كيميائيًا، وهذا التعقيد والتنوّع يتيح الحصول على مئات الروائح من خلال التغيير في كميات العناصر المكوّنة. ولهذا فالتنوع يأتي بالتعقيد ويأتي بالمرونة في آن واحد، وهذه معادلة غير مألوفة.