فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 292

الذي نخلص إليه من وراء هذه المقدمة هو أن العيش في عصر سِمته (التعقيد) يتطلب منا أن نطوّر منهجيات معقدة إذا أردنا القيام بمواجهة ناجحة للمشكلات التي أخذت تغير ملامح حياة الإنسان المسلم، وتسبب له الكثير من الألم والأذى. إن ما نواجهه من مشكلات لم يحدث بمحض الصدفة، ولا بوصفه ناتجًا طبيعيًا لتفاعلات بريئة هي جزء من ثمن التحضر... إن هناك جهات كثيرة تسعى إلى تحقيق مصالح خاصة، وطبيعة تلك المصالح تقتضي إدخال تغييرات سيئة على الحياة الشخصية لأعداد كبيرة من البشر. وتلك الجهات تستثمر أموالًا وخبرات عظيمة وهائلة في سبيل الوصول إلى أهدافها، ومن ثمّ فإن ردود الفعل العشوائية والخجولة التي تصدر من هنا وهناك، ستكون قليلة الجدوى. إن التخريب الواعي والمنظم يجب أن يُقابل بإصلاح على شاكلته، وإلا كنا كمن يحاول علاج السرطان بـ (الإسبرين) أو إسقاط طائرة بمسدس. نحن في حاجة إلى قيام مشروع وطني في كل قطر إسلامي يكون همه الأكبر مراقبة (نوعية الحياة) ورصد التطورات الإيجابية والسلبية التي تطرأ على سلوكات الناس وعاداتهم ومواقفهم المختلفة. هذا المشروع يحتاج حتى يخدم الأغراض التي أُنشئ من أجلها إلى تشكيل عدد كبير من الهيئات والجمعيات والأنشطة المتخصصة. وستكون المهمة محاولة بلورة معايير ومواصفات للحياة الطيبة التي تليق بالمسلم المعاصر على المستوى الروحي والخلقي والاجتماعي والصحي والمعنوي... ثم العمل على نشر الوعي بها في أوساط الجماهير بشتى الوسائل والسبل المتاحة. أما المهمة الثانية فهي العمل على تنظيم حملات متتابعة وأنشطة مستمرة لمقاومة أنواع الأخلاق والسلوكات السيئة التي يسببها العيش في هذا الزمان؛ إذ المحرك الأساسي لسلوك البشر هو المادة والمتعة واللهو والإرواء المباشر للرغبات، وسيكون على تلك اللجان أيضًا متابعة التقصير في الواجبات الشرعية والخلل في التواصل الاجتماعي وما شابه ذلك مما هو مشاهد اليوم.

نحن في حاجة إلى جمعيات تتابع إعراض الشباب عن الذهاب إلى صلاة الجماعة في المساجد، والإعراض عن القراءة واقتناء الكتاب، وجمعيات تتابع التغيرات الثقافية والسلوكية مثل: الإدمان على التدخين والخمور والمخدرات والإسراف في الإنفاق وسوء استخدام الموارد مثل: الماء والكهرباء بالإضافة إلى العادات الشخصية السلبية مثل: السهر والنوم المتأخر والأكل في المطاعم والبدانة واستخدام المنبهات والمنشطات إن هذا ما هو إلا عادة محدودة للأشياء الكثيرة التي تحدّد نوعية الحياة لدى الأمة والتي تحتاج إلى الاهتمام.

السؤال المطروح هنا هو: لمن نقوم بتوجيه هذا الكلام؟

الحقيقة أنني أوجه الكلام لكل أولئك الذين يملكون الوعي والغيرة على مستقبل هذه الأمة، وهم بحمد الله كثر. الأمة تتملك اليوم ملايين الشباب التوّاقين لعمل شيء إيجابي يصب في المصلحة العامة، وإن على الكهول والشيوخ أن يوفروا لهم الأطر والمؤسسات والجمعيات التي يتمكنون من خلالها من عمل شيء جيد. إن رصد الواقع وقراءته عن طريق المسح والإحصاء والاستبيان عمل كبير وحيوي في هذا المشروع، وإن في إمكان مجموعة مكونة من خمسة شباب أن تقوم بعمل مسحي منظم ومنهجي لظاهرة من الظواهر تحت إشراف أستاذ متخصص، ثم تقوم بنشر نتائج ذلك المسح على الإنترنت وغيره من أجل إيقاظ وعي الناس ورفعهم للاهتمام بتلك الظاهرة والتعامل معها بما يلائم. ولابد من التنسيق مع الجهات الإعلامية والتربوية في كل خطوة من خطوات مشروع (نوعيّة الحياة) . إن الإصلاح الذي تحتاج إليه الأمة له ألف رأس وألف ذراع وألف ذيل، وإن من المهم أن نمتلك القناعة بأن التقدم الشامل لا يتم من خلال عمل كبير يقوم به فلان أو فلان أو هذه الدولة أو تلك...، وإنما يتم من خلال ملايين المبادرات الصغيرة التي تصدر عن ملايين الأبطال الصغار، وأعتقد أننا نستطيع أن نتعلم من الغرب في هذا الشأن الكثير من الدروس البليغة والمفيدة.

د. عبد الكريم بكار 28/2/1426

لو عدنا إلى أدبيّاتنا عبر القرون الماضية لوجدنا أن معظم تنظيرنا للشؤون الثقافية كان ينصبّ عليها بوصفها علومًا واختصاصات معرفيّة منظمة.

وربما سادت تلك النظرة بسبب قلة ما في أيدينا من المعارف والمعطيات المتعلقة بالإنسان باعتباره كائنًا متعدّد الجوانب ومتعدّد الاحتياجات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت