فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 292

حين جاء الإسلام رشّد قضية الولاء للوطن ومشايعة أهله في جملة ما رشّد من شؤون الحياة. ونجد في هذا الصدد أن الله -تعالى- أخذ على المنافقين أنهم متشبثون بالإقامة في أوطانهم إلى حد عصيان أمر الله، حيث يقول:"وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا" [النساء:66] ، وذكر أنه قد يكون في مغادرة الأوطان والهجرة في سبيل الله سعة في الرزق وإرغام للعدو:"وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً" [النساء: من الآية100] .

وفي الحديث الصحيح:"أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا؛ أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال:"تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره". وقد كان من جملة بنود الوثيقة التي أنجزها النبي -صلى الله عليه وسلم- لتنظيم العلاقة مع اليهود في المدينة نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم. إنها صياغة جديدة للمشاعر والمواقف وردود الأفعال.

المعضلة الثانية التي أضرت بالمشاعر الوطنية هي الطموحات الجامحة لدى كثير من الناس، والتي تدفع على نحو صارخ إلى اختراق المجال الخاص للآخرين والعدوان على حقوقهم وحرمانهم من فرص الترقي الاجتماعي والاقتصادي. إن الشعور بالواجب تجاه حقوق الوطن والمواطنين، لا يتولد لدى المرء إلا إذا شعر بشرف الانتماء لذلك الوطن، وهذا من جهته لا يتوفر إلا إذا أحسَّ الناس بأنهم ينالون ما يستحقونه دون عناء. وقد قال أحدهم: لماذا أدافع عن وطن لم يطعمني من جوع، ولم يؤمِّني من خوف"؟!"

انخفاض سوية الالتزام لدى كثيرين منا بالإضافة إلى أزمة (قصور المفاهيم) التي نعاني منها على أكثر من صعيد -يجعل الشأن العام بعيدًا عن بؤرة الاهتمام-.

ويبدو أن ما أحرزه الفرد من وعي أعلى بكثير مما أحرزه المجتمع، مما يجعله يندفع نحو أهداف وغايات غامضة، ويجعل نمو المعاني والمفاهيم الجمعية بطيئًا.

لا يمكن توليد مشاعر وطنية صادقة من غير توفر كتلة حرجة من النماذج الخيرة التي تعلم الناس بسلوكها معاني الاستقامة والتضحية، ومن غير امتلاك شفافية جديدة نحو العدل (بكل مستوياته ومظاهره) ومن غير مراقبة جيدة لاستثمار التفوق حتى يظل ضمن أطر مشروعة، وإلى أن يتم ذلك، فإن لنا أن نتوقع الكثير من أنماط الإساءة للمعاني الوطنية، والمزيد من الاستغلال الجائر لها.

د. عبد الكريم بكار

تدعيم الذات عمل كبير. وهو ينبع أساسًا من اعتقاد المرء أن ذاته ليست معطى نهائيًا جامدًا -كما كان سائدًا لدى الفكر التقليدي القديم- وإنما هي مفاهيم ومشاعر واتجاهات وعزائم وعادات ومواقف. وحين ننظر إلى ذواتنا على هذا النحو فإننا سنتعامل معها على أنها شيء قابل للنمو، كما أنه قابل للذبول والاضمحلال.

الإنجاز المتتابع -مهما كان محدودًا- يعزز ثقة الإنسان بنفسه ويخلصه من مشاعر الإحباط والخذلان. وعلى هذا فإن كثيرًا من الناس يملكون المؤهلات لأن يكونوا عظماء، لكن مؤهلاتهم كامنة، ولا يبرزها سوى العمل والعطاء غير المشروط. خطرت لي هذه الأفكار وأنا أتابع بعض الحملات الخيرة لتقديم المعونة لإخواننا في فلسطين السليبة. وقد رأيت في تلك الحملات من مشاعر النبل والكرم والخير والمروءة ما يدل على أن هذه الأمة تحتفظ بدرجة عالية جدًا من الحيوية والقدرة على التضحية! مشكلتنا التي تحتاج إلى تنظير وإلى حلول عملية، هي كيف نحوّل الفورات العاطفية والمشاعر النبيلة الفياضة إلى نوع من الالتزام المستمر بدعم قضايانا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. أعتقد أن المشكلة تتمثل أساسًا في تعميم الوعي بالأهمية الفائقة للعطاء المستمر الدائم الذي لا يرهق أحدًا، لكنه يشكل بالنسبة إلى قضايانا الكبرى -نظرًا لكثرة عدد المسلمين- شيئًا عظيمًا- إن الله -جل وعلا- يحب من عبده الثبات والاستمرار في طريق الخير على قدر الوسع والطاقة؛ وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا. وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه".

إن العالم الإسلامي مليء بحمد الله بالجمعيات الخيرية والمؤسسات الإغاثية التي تقوم بدور ضخم جدًا في سد حاجات المحتاجين، وتوفير الخدمات المختلفة للفقراء والمساكين. ومع أن بعضها يقوم ببرامج رائعة تتسم بالديمومة والاستمرار في جمع المال وإنفاقه إلا أن هناك أمورًا كثيرة إضافية يمكن أن تقوم بها. وأود هنا أن أقترح بعض المقترحات التي تفعّل (العطاء الدائم) بالنسبة لإخواننا في فلسطين، وهي على النحو الآتي:

1-قيام وسائل الإعلام المختلفة ببث الوعي لدى كافة شرائح المسلمين بضرورة الالتزام بشيء ما -مهما كان يسيرًا- يخصص لدعم صمود إخواننا في فلسطين، ومساعدتهم على مقاومة عدوهم وإعمار بلادهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت