فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 292

وحين يعمل الإنسان بمفرده، فإنه يشعر بالحرية، ولا يجد نفسه ملزمًا بسياسات وخطوات ليس مقتنعًا بها، كما أنه يتحمل مسؤولية أعماله، ويختار قراراته. وبالإضافة إلى هذا فإنه يسلم من داء التحزّب والتعصّب الذي ابتُلي به كثير من أتباع الجماعات الإسلامية، ويسلم بذلك من الكثير من الغيبة والنميمة...الخ.

كيف نتعامل مع المعادلات الصعبة؟

1-يجب أن نعترف أن التعامل مع مثل هذه الأمور شاق وصعب، وهذا كثيرًا ما يكون بسبب عدم اكتشافنا لجميع العناصر التي تدخل في تركيب هذه المعادلات، فنحن لا نرى كل أجزاء الصورة، ولذا فهناك دائمًا إيجابيات وسلبيات لا نراها، ولا نحسب حسابها.

2-إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن تعاملنا مع المعادلات الصعبة، يقوم على الموازنة بين ما نأخذه وندفعه، والموازنة لا تقوم دائمًا على معطيات واضحة، ولهذا فستظل موازناتنا موضع جدال وأخذ و ردّ، وفي هذه الحال فإن علينا أن نتعاذر مادمنا نظن أن مواقفنا تقوم على اجتهاد، فالاجتهاد لا يُحسم باجتهاد آخر.

3-أهم شيء في التعامل مع المعادلات الصعبة هو معرفة المكاسب والخسائر التي ستنشأ عن اختيار وضعية من الوضعيات، ولهذا فيجب رصدها واعتبارها بدقة، ويجب أن نحاول ضبطها بضابط شرعي وضابط مصلحي معتبر.

4-إذا اخترنا وضعية من الوضعيات، فعلينا أن نفتح عينًا على المنهجية التي اخترناها، وعينًا على ما عزفنا عنه، وعلى سبيل المثال، فإن على من اختار العمل الفردي أن يدرك أن أمورًا كثيرة لا يستطيع القيام بها بنفسه، ومن ثم فإن عليه أن يكون مستعدًا لطلب المعونة ممن يساعده فيها، كما أن عليه ببذل النصح والمشورة لمن يحتاجها من الجماعات والمجموعات الدعوية. وعليه إلى جانب هذا أن يحذر من أن تصبح الفردية لديه فردية مرضية، تعبر عن الأنانية والعجز عن التلاؤم والرؤية الضيقة. وعلى من اختار العمل مع جماعة أن يحافظ على قدر من حرية الرأي والاختيار والمبادرة، كما أن عليه أن يكون متسامحًا مع الذين يخالفونه في المنهج، وبعيدًا عن التحزّب والتعصب، ومستعدًا لسماع النصح من خارج جماعته، فقد يكون لدى فرد من الأفراد من سداد الرأي ونفاذ البصيرة ما ينفع به جماعة كبيرة.

سيظل التعامل مع المعادلات الصعبة صعبًا، وستظل النتائج موضع شك أو جدل، ولكن لابد من أن نحاول لنصل إلى أفضل ما يمكن الوصول إليه.

ولله الأمر من قبل ومن بعد

عبد الكريم بكار 23/2/1427

قالوا كثيرًا في الحكمة، واختلفوا في شأنها اختلافًا واسعًا؛ وذلك بسبب اتصال الحكمة بعدد من العلوم والقوى الخلقية والعقلية. وحين يقف الإنسان الموقف الذي عليه أن يقفه، فإنه يكون قد أنجز إنجازًا ليس بالقليل. في بعض الأحيان يكون هناك نوع من الغموض والالتباس أو نوع من التقاطع بين المعطيات المعرفية، أو نوع من ضعف الإدراك للمنافع والمضار، وحينئذ فإن قلّة قليلة من الناس هي التي تتمكن من فهم المحيط واتخاذ القرار الصحيح.

قبل أن أتحدث عن بعض سلوكات الرجل الحكيم ومواقفه أود أن أوضح مكونات الحكمة، وما يحتاجه الموقف الحكيم. لعل أصح تعريف للحكمة هو ذلك التعريف الذي يقول: إن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه. وحتى نضع الشيء في موضعه، فإننا نحتاج إلى أمرين أساسيين:

الأول: هو معرفة ما يجب علينا قوله أو فعله، وما يجب علينا تركه أو رفضه أو تجاهله... وهذا يعني أننا نحتاج إلى معرفة جيدة وخبرة ممتازة بما نحن مقدمون على التعامل معه.

الثاني: هو الإرادة والعزيمة التي نحتاجها كي نقاوم رغباتنا وشهواتنا، وما لدينا من طموحات غير مشروعة وأمور غير لائقة، وكي نتجاوز ما لدينا من قصور ذاتي. وقد نحتاج حتى نكون حكماء فعلًا إلى شيء ثالث هو الرضا والقناعة بما قسمه الله -تعالى-، والنظر إلى كل ما لم نستطع الوصول إليه بعد بذل الجهد على أنه شيء ليس لنا، وبالتالي فإننا لا نتحسر عليه، ولا نحسد من ظفر به، ونشعر أن ما جرى لنا شيء طبيعي وجيد.

من المهم أن نتذكر دائمًا أن ما لدينا من معرفة، يظل دائمًا أقل مما هو مطلوب، أي أن مواقفنا ستظل تفتقد في بعض الأحيان إلى المعرفة، التي لا نعرف كيف سنحصل عليها. ومن وجه آخر فإن سيطرتنا على رغباتنا ومشتهياتنا، تظل هي الأخرى غير كاملة، أي أننا نرى الصواب في موقف ما، لكننا لا نفعل ما نراه بسبب عدم امتلاكنا للطاقة الروحية المطلوبة لذلك. والخلاصة لكل هذا، هي: أنك لا تجد حكيمًا هو حكيم في كل المواقف وكل التصرفات، فالنقص ملازم لبني البشر مهما كان شأن الواحد منهم.

مواقف وسلوكات حكيمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت