فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 292

-إن كرامتنا لم تمتهن بسبب استلاب حقوقنا أو نهب ثرواتنا فحسب؛ وإنما هناك أمور أخرى لا تقل أهمية، فالتخلف الذي يخيّم على العديد من جوانب حياتنا أوجد ندوبًا ناتئة في نفس كل مسلم، حيث صار هناك ما يشبه الاعتقاد بأننا غير مؤهلين لإنتاج التقنيات المتقدمة ولا لتصميم النظم المعقدة. وإن كثيرًا من العمال المسلمين في الغرب لا يجدون فرصًا لكسب أرزاقهم إلا في الأعمال الوضيعة أو الشاقة أو غير المجزية، والتي يترفع عنها كثير من أهالي تلك البلاد، وإن مسلم اليوم يشعر أن الأمة عالة على الأمم الأخرى في كل شيء حتى طباعة المصاحف وتشيد المآذن! وإن النقلة النوعية في التقنية والصناعة وحدها هي التي تجعل المسلم يشعر بأنه لا يعيش على هامش العصر، كما أنه ليس محرومًا من الذكاء ولا المواهب التي يقر للآخرين بامتلاكها.

-سيظل من المهم دائمًا أن ندرك أن علاقتنا بالأعداء والمنافسين والأغيار ستظل فرعًا عن الوضعية العامة التي نؤسسها في بلادنا، وإن العلاقات الدولية أشبه بسوق يعرض الناس فيه بضائعهم، ويأخذون منه على مقدار ما في جيوبهم، ولن نستطيع أن ندافع عن حقوقنا ولا أن نرسخ وجودنا على الصعيد العالمي عن طريق (الفهلوة) والإدعاء والشعارات، فهامش المناورة أمامنا ضيق جدًا؛ وإن الناس يحبون أن يروا؛ فلنجعلهم يرون إذا ما كنا نريد لموقعنا العالمي أن يتحَسَّن.

-علينا أن ندرك على وجه جيد نقطة الضعف الأساسية في علاقتنا مع الآخرين؛ لأننا من غير إدراكها سنكون كمن يصرخ في واد، أو ينفخ في رماد. وأظن أن تلك النقطة لا تتجسد في نقص إمكاناتنا وقدراتنا مع أنها محدودة، وإنما في تكبيل إرادتنا؛ لأن أصحاب الإرادة المسلوبة يظلون يشعرون بالعجر والانهزام مهما كانت قوة الأوراق التي بين أيديهم.

إن تحرير الإرادة من الخوف والتبعية والاستخذاء أمام الأجنبي سيظل شرطًا جوهريًا لتحريك إمكاناتنا في الاتجاه الصحيح، وشرطًا جوهريًا لاتخاذ قرارات تاريخية ومصيرية .

والله ولي التوفيق.

بث الله - جل وعلا- ف هذا الكون توازنًا خفيًّا ينجذب الناس إليه كما تنجذب الأشياء في صور وأوضاع كثيرة ومدهشة، نعرف بعضها ونجهل أكثرها. والمهم دائمًا تلمس آفاق ذلك التوازن وسننه في الأنفس والمجتمعات والدعوات والثقافات حتى نتناغم معه و نسعى إلى تحقيقه، ونعمل في إطاره. لكل الأمور طرفان ووسط وذلك الوسط يتم تحديده في أمور كثيرة من خلال الشريعة الغراء كما يتم تحديده في أمور كثيرة أخرى من خلال العرف والاعتبارات والمعطيات الجديدة. الشجاعة والجبن، والكرم والبخل، والحسن والقبح، واللطف والفظاظة والتبذير والتقتير، والجودة والرداءة، والصلابة والليونة، والغلو والاعتدال، والإفراط والتفريط، والاهتمام والإهمال... كل هذه المتضادات والمتقابلات تقع على خط واحد متدرج. والتغيرات على ذلك الخط متصلة وغير منظورة ونتعامل معها من خلال رسم فواصل وهمية واعتبارية، يمكن دائمًا الاختلاف فيها والجدل حولها، فنحن نتخيل صورة لـ (الشجاعة) في وضعها الأقصى لتكون على أول الخط. وتلك الصورة تختلف من شخص إلى آخر بحسب المفاهيم المحيطة والخبرة الشخصية بهذه الفضيلة. وتتدرج تصوراتنا للشجاعة إلى أن نصل إلى منتصف الخط - وهو منتصف وهمي تقديري-؛ فنقول: إن فلانًا من الناس إنسان عادي، لا يوصف بالشجاعة ولا بالجبن. ثم نمضي قليلًا في السير على ذلك الخط، لنقول: إن فلانًا لديه شيء من الجبن. ثم نمضي لنقول: فلان جبان. فإذا اقتربنا أكثر قلنا: فلان من أجبن الناس. فإذا أرتنا خبرتنا الشخصية بهذه المسألة صورة شاذة ومتفردة في الخوف والهلع قلنا: فلان أجبن الناس. ونحن في كل ذلك ننطلق من مفاهيم وخبرات ذاتية ومحددة؛ فلا التعريفات والمصطلحات دقيقة وصلبة بما يكفي لتوحيد التصورات، ولا الخبرات موحَّدة بما يكفي لإصدار الأحكام. والتعبير عنها هو الآخر يتسّم بالهشاشة؛ إذ إن اللغة هي وسيلتنا في التعامل مع هذه الأمور، والنظام اللغوي يكون شديد الطواعية والمرونة عند التعبير عن المسائل الإنسانية. والبنية العقلية للإنسان على مقدار ما تعمل بكفاءة في تصور (الكم) وتحليله تعمل بارتباك وغموض في تصور (الكيف) والحكم عليه؛ ولهذا فإن من قد تصفه بأنه إنسان عادي، لا هو بالشجاع ولا بالجبان، قد يصفه غيرك بأنه شجاع أو جبان ، ومن تصفه بأنه أجبن إنسان في التاريخ قد يصفه غيرك بأنه واحد من ملايين الجبناء الذين ينطون السهل والجبل. وكثير من الغربيين ينظرون اليوم إلى من نعدّه - بحسب معاييرنا وثقافتنا- معتدلًا على أنه متعصب ومتطرف. وما يعده كثير من الغربيين حشمة ننظر إليه على أنه ابتذال؛ وهذا واضح.

مهما اختلفنا في تحديد المفاهيم؛ فإن الأطراف القصوى تظل أطرافًا؛ إن من الصعب جدًّا في البيئة الواحدة أن ينظر بعض الناس إلى شخص على أنه أكرم الكرماء، وينظر إليه آخرون على أنه أبخل البخلاء؛ فالعقول تدرك الألوان المتباينة والحالات المتباعدة على نحو جيد. ومن ذلك الإدراك يتم الانجذاب نحو الوسط الذي هو مركز التوازن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت