5-أكثر ما يظن فيه عجز الإنسان وضعفه هو الإمكانات التي يمتلكها لفهم الواقع المعاش بكلياته وجزئياته ومشكلاته وخباياه ، وقد كثرت في أيامنا هذه الدعوة إلى فهم الواقع وفقهه ، وهي دعوة مهمة ، لكنها تخفي في طريقة طرحها نوعًا من التبسيط للمسألة ، حيث إن فهم الواقع أو مقاربته مسألة من أعقد ما يواجهه العقل البشري ، فالقيم التي نؤمن بها تتحكم إلى حد كبير في رؤيتنا لذلك الواقع ، وكثيرًا ما تشكل حائلًا بيننا وبين رؤية حقيقة ما يجري فيه . والعقل الإنساني حتى يلامس الواقع فإنه يفترض ثباته وجموده ، على حين أن الواقع يظل محطّة لتدفق التحولات المشعثة الكثيرة والحادة أحيانًا مما يجعل إدراكنا قاصرًا عن ملاحقته ، وبالتالي فإن أحكامنا تصدر على أشياء فائتة ومنتهية ومن هنا فإنه لابد من بناء (إشكالية) ، يتم من خلالها تقسيم الواقع إلى قضايا يمكن تحديدها وتقديم إجابات وحلول لها ، والنمط الذي سنصور الواقع من خلاله هو عبارة عن صورة عقلية مركبة تدخل فيها رؤانا العقدية إلى جانب العناصر المعرفية والقيم الاجتماعية التي ترشد حركة المجتمع ، ومادام كل ذلك متفاوتًا عند الناس فإن عجزنا عن لمّ الخلاف سوف يظهر أكثر وأكثر عندما نحاول تقويم الواقع وإصدار الأحكام عليه .
وهذا ما سيؤدي بالتالي إلى اختلافات كثيرة في مناهج الإصلاح ومشروعات النهوض الحضاري ، وهنا يظهر مرة أخرى مأزق وهن الإنسان حيث إن التقدم العلمي لا يتحقق دون الإغراق في التخصص ، والتقدم يستمد مشروعيته وأهميته من كونه يقدم الأدوات التي تساعد على إصلاح شأن الإنسان وترشيد قراراته ، لكن الإغراق في التخصص يحول دون فهم الواقع ودون فهم حاجات الإنسان المختلفة من منظور شامل ، إذ إن مجال التخصصات هو الجزئيات ، وفهم الواقع الإنساني يحتاج إلى رؤى ونظريات كلية لا تتوفر عادة عند الاختصاصيين .. ومن هنا ندرك لماذا نرى تقدم المعرفة وتأخر الإنسان وانحداره شيئًا فشيئًا نحو البربرية ! إننا عاجزون عن رعاية شؤوننا إذ اما ابتعدنا عن الانتفاع بالهداية الربانية .
الموقف الموضوعي مما سبق:
إذا كان الإنسان على ما ذكرنا من العجز والقصور فإن عليه أن يطامن من نفسه ، ويخضع لقيوم السموات والأرض خضوع العارف بضعته المدرك لعظمة خالقه متخذًا من ذلك بابًا للأوبة والتوبة الدائمة .
وعلى الإنسان مع ذلك أن يحترم عقله وقدراته فلا يزجّ به في مجاهيل وغيوب لا يملك أدنى مقدمات للبحث فيها ، حتى لا يتناقض واقعه مع ذاته ومن المنهجية القويمة أن نعلّم أنفسنا الصبر على الاستقراء والتأمل وعدم المسارعة إلي إطلاق الأحكام الكبيرة قبل التأكد من سلامة المقدمات التي تستند إليها ، وحين نصل إلي حكم ظني فإنه علينا أن نصوغة بطريقة تُشعر المطلع عليه بذلك ، فلا نسوق القطعيات مساق الظنيات ، ولا الظنيات مساق القطعيات . ويروون عن الإمام مالك رحمه الله أنه كان كثيرًا ما يردد قوله تعالى ] إن نظنُّ إلا ظنًَّا وما نحن بمستيقنين [ [الجاثية: 32] وذلك عندما يُستفتى فيفتي ، وقد عتب الإمام الجويني على الماوردي أنه كان في كتابه » الأحكام السلطانية « يسوق المظنونات والمعلومات على منهاج واحد « [3] . مع أن النصوص في مجالات » السياسة الشرعية « قليلة ، وأكثر المسائل فيها مبنية على الاجتهاد .
إن الوضعية التي وضع الله تعالى فيها الإنسان تحتم أن نظل في حالة من الاستعداد الدائم لقبول الحق أيًا كان مصدره والتراجع عن الخطأ وتعديل الرأي وامتلاك فضيلة المرونة الذهنية ، وعلى الله قصد السبيل .
(1) النساء: 28 .
(2) اقرأ إن شئت ما كتبه (نيكسون) في كتابه (نصر بلا حرب) عن المستقبل الذي يتوقعه لروسيا ثم ما آلت إليه الأمور ! .
(3) انظر الغياثي: 142 تحقيق د عبد العظيم الديب .
إن المراد بـ » السّلم « هنا: ( الإسلام ) على ما رجّحَه عدد من المفسرين وإن ( كافّة ) حال من ( السّلم ) على ما نرجحه ، ويكون المراد آنذاك: الأمر بالأخذ بتكاليف الإسلام جميعها: ما تميل إليه النفس منها ، وما يخالف هواها .
وتصرح الآية الكريمة بأن في عدم الأخذ بالإسلام كاملًا نوعًا من اتباع الشيطان ، حيث إن المنهج الرباني يباين السبل الأخرى في فلسفتها العامة ، وإن التفريط بشيء من ذلك المنهج سيكون فيه اتباع (آلي) لسبيل الشيطان حيث لا يوجد خيار ثالث .
ويمكن أن نستبصر في إشراقة هذه الآية المباركة المفردات التالية: