فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 292

لكل منا طاقات محدودة ، ولكل منا طموحاته وأهدافه التي يرمي إلى تحقيقها في هذه الحياة قبل أن يرحل وتنهي الإمكانات والطموحات ؛ ومهما كانت قدرات الإنسان كبيرة فهي محدودة ، ونشاهد في كثير من الأحيان أن طموحاتنا أكبر من طاقاتنا ، وكثير منا يصاب حينذاك بالعجز والإحباط ويؤدي بنا هذا إلى البقاء في إجازة مفتوحة ! !

وهذا مع علمنا أن التكليف على قدر الوسع ، ولو أننا باشرنا ما هو ممكن اليوم لصار ما هو مستحيل اليوم ممكنًا غدًا ، ولنوضح هذا بمثال صغير ، فلو أننا عمدنا إلى طفل في الخامسة من عمره لم يدخل المدرسة ، وطلبنا منه كتابة اسمه لوجد أن ذلك بالنسبة له مستحيل ، فإذا علمناه كتابة حروف اسمه حرفًا حرفًا ، ثم علمناه الوصل بينهما لوجد أن ما كان مستحيلًا قبل ساعة صار الآن ممكنًا وهكذا ...

ونحن في كثير من الأحيان نطوف في المجلس الواحد في أنحاء العالم الإسلامي متألمين لما يحدث للمسلمين ، وشاكين من التآمر عليه ، ثم ينفض المجلس على نحو ما انعقد عليه دون أن يستفيد مسلم من شيء مما قلناه ، وذلك لأننا لم نباشر الممكن ، وإنما أذهبنا أوقاتنا في الحديث عن أمور لا حول لنا ولا طول في التأثير فيها ! !

ولو أننا تحدثنا بما يصلح أمرًا من أمور الحي أو في كيفية جعل فلان من الناس يرتاد المسجد لكان ذلك أنفع للمسلمين وأبرأ للذمة من شيء مشغولة به .

الوقفة الرابعة:

إن النبي -صلى الله عليه وسلم- تركنا على المحجة البيضاء ، ووقع التكليف من الله تعالي باتباع ذلك المنهج والتزامه على قدر الوسع والطاقة ، وهذا التكليف سنة الله تعالى في الأنبياء -عليهم السلام- وسنة أممهم ؛ فقد مكث نوح -عليه السلام- يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين ، وكانت حصيلته في ذلك وصف الله تعالى: ] وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [ [هود 40] نعم إنهم قليل حملتهم سفينة واحدة ومع ذلك فإن نوحًا ظل رسولًا من أولي العزم الأبرار ، ذلك لأن المنزلة على مقدار الجهد الموافق للمنهج المنزل ، وليس على مقدار ما يحقق من نجاح وفلاح .

ولكن الذي يحدث في بعض الأحيان أننا نضع أهدافًا معينة نريد الوصول إليها عاجلًا ، ولو كانت هذه الأهداف تستدعي الضغط على المنهج أو القفز عليه أو الانحراف عنه ، وحين يحدث ذلك تفقد الدعوة انسجامها الذاتي كما تهتز الفلسفة النظرية التي تستند إليها ؛ وربما أدى ذلك إلى استعمال وسائل غير مشروعة .

ولا يعني هذا أن نعفي أنفسنا من عمليات المراجعة ، بل يعني أن المراجعة المطلوبة هي التأكد من موافقة أساليبنا ووسائلنا للمنهج الرباني الذي تعبدنا الله تعالى باتباعه والحركة على هديه .

#{أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}

سيظل للكلمة أثرها الفعال في تغيير أفكار الناس وأمزجتهم ومشاعرهم وواقعهم ، وذلك إذا استوفت شروطًا معينة . وليس أدل على رفعة مكانة الكلمة في حياة البشر من أن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام -كانوا يجيدون استخدامها في التعبير عن الحقائق الراسخة والربط بينها وبين واقع البشر ورصيد الفطرة المتبقي لديهم .

فهذا نوح -عليه السلام - يجادل قومه باستفاضة ، حتى ضج قومه من ذلك حين قالوا: { قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [ هود: 32] ، وهذا إبراهيم - عليه السلام- يكرمه الله تعالى ، فيهبه من قوة الحجة ما يفحم قومه: ] وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ [ الأنعام: 83] . وهذا موسى -عليه السلام- يقول: { واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } [طه: 27 ، 28] ، ثم يطلب من الله تعالى أن يتفضل عليه بإشراك هارون معه في التبليغ لفصاحة لسانه حين يقول: { وأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ } [ القصص: 34 ] . والله تعالى يقوم لخاتم أنبيائه: { وقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا } [ النساء: 63 ] . وكل هذا قبس مما نسبه الباري -جل وعلا- لنفسه حين قال: ] قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [ [ الأنعام: 149] وحجج النبيين ومضامين خطابهم للخلق -في الأصول - واحدة أو تكاد ، مما يجعل جذور الكلمة الطيبة ضاربة في أعماق الزمن من لدن نوح -عليه السلام- إلى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وهذا يجعل حركة التاريخ كلها في سياقٍ عامٍ واحدٍ ، هو: التأكيد على أهمية الكلمة الطيبة في إنقاذ البشرية من الضلالة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت