ويؤسفني القول: إننا لم نستطع إلى الآن أن نبلور نظرية إصلاحية إسلامية معاصرة ومتعمقة في تلمس شروط الاستجابة والظروف الصحيحة والمثلى لها ، إلى جانب تلمس مجمل الحساسيات والترابطات والتداعيات التي تشكل المناخ المطلوب لقيام حياة إسلامية راشدة ! .
إن جل اهتمامنا ينصب على بيان ما يجب عمله ، أما البرامج والكيفيات والإجراءات والأطر والسياسات التي يجب اتباعها وتأسيسها من أجل تحويل المبدأ إلى واقع معيش .. فإنها لا تلقى ما تستحقه من اهتمام ومتابعة ، والخبرات لدينا في ذلك ما زالت ضئيلة ، بل إن هناك مَن يستوحش من الخوض في غمار مثل هذا النوع من البحث ، ويعد التعمق في ذلك ضربًا من (الاستغراب) أو الجنوح نحو المادية ! ، ومن الدعاة من يدعي أنه عارف بكل ذلك ، لكن لو نظرت في إنتاجه المعرفي لم تقف له في هذه السبيل على كتاب أو رسالة ، بل على خاطرة أو فكرة .
(وما أطيب العرسَ لولا النفقة) ! !
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
(*) الآيتين: 112 ، 113 من سورة هود .
(1) أخرجه مسلم .
(2) انظر في ميزان التمحور حول المبدأ: العادات السبع للقادة الإداريين ، ص 120 .
في هذه الآية الكريمة إخبار عن قاعدة من قواعد الخلق ، وناموس من نواميس الوجود ؛ وهي في الوقت نفسه: دليل على أن القرآن من عند اللطيف الخبير الذي أحاط بكل شيء علمًا .
إن المعرفة والتقدم العلمي الذي كان متوفرًا في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- لايمكِّن على أي نحو من الكشف عن قاعدة (الزوجية) في الوجود ، بل إن ما كان في حوزة الناس آنذاك من استقراء واطلاع لم يكن كافيًا للكشف عن ظاهرة (الزوجية) في (الأحياء) فضلًا عن ميادين الوجود المختلفة ، وإن الكشوفات الكونية المتسارعة ؛ تميط اللثام في كل يوم عن أشكال من التزاوج والاقتران والارتباط في ميادين الحياة كافة ، وعلى مستويات مختلفة ، ابتداءً بالذرة ، وانتهاءً بالمجرة ؛ مما يُضيف شواهد جديدة على صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- .
ولنا مع هذه الآيات وقفات عدة ، نوضحها في الحروف الصغيرة الآتية:
1-إن فَطْر الله (جل وعلا) للكون على المزاوجة دليل إضافي على المغايرة بين المخلوق والخالق المتفرد في ذاته وصفاته وأفعاله ؛ حيث إن ما يترسخ في الخبرة البشرية على الدوام من أن الخلق واحد ، ويخضع لقوانين واحدة ، وتحكم حركتَه ونموه وانهياره قواعدُ واحدة .. إن كل ذلك يدل على توحد الخالق (جل ثناؤه) الذي أوجد كل ذلك التنظيم الدقيق المعجز .
وفي ختم الآية بقوله ] لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ إشارة واضحة إلى هذا المعنى ، حيث يدرك الناس تفرد الخالق وأَحَديته من خلال ما يشاهدون من ظواهر تزاوج الأشياء وتركيبها ، وارتباطاتها ، وتوازناتها على نحو يستحيل معه العبث ، والارتجال والمصادفة .
وكأن في الآية بعد هذا وذاك إيحاءً إلى أهمية استثمار المعرفة بسنن الله في الخلق في غرس الإيمان وتقويته ، والارتقاء في إدراك واجبات العبودية وآدابها .
2-إن ظاهرة الزوجية ليست دليلًا على وحدانية الخالق (جل وعلا) فحسب ، وإنما هي دليل على نقص المخلوقات وافتقارها لغيرها ، حيث لا تتحدد معاني الأشياء وقيمها الحقيقية من خلال ذواتها ، وإنما من خلال كونها أجزاءً في تركيبات أعم ، وفي هذا الصدد فإنه يمكن القول: إنه عند تدقيق النظر لا يخلو شيء عن تركيب ! .
لولا معرفة الناس بالقبح لما كان للجمال أي معنى أو قيمة إضافية ؛ ولذا قالوا: إن للشوهاء فضلًا على الحسناء ؛ إذ لولاها لما عُرف فضل الحسناء .
ما فضل التنظيم لولا الفوضى ، والذكاء لولا الغباء ، والغنى لولا الفقر ، والفضيلة لولا الرذيلة ، والنهار لولا الليل ، والحلو لولا المر ... أشياء لا حصر لها ، ولا تستمد قوامها من ذاتها ، وإنما من خلال غيرها ! !
وهكذا: فالخلق ، وما يَتَغَنّوْنَ به من خصائص فقراء فقرًا مزدوجًا ، فقرًا إلى الخالق الموجد ، وفقرًا إلى مخلوق آخر ، يجعل له معنى !
ومن وجه آخر: فإن طبيعة العلاقة الزوجية تميل إلى المرونة ، وذات أوساط متدرجة ؛ فالغنى درجات ، وكذلك الفقر ، وقل نحو ذلك في الذكاء والغباء ، والجمال والقبح ، والاستقامة والانحراف ... حيث تلامس أدنى درجات الأول أعلى درجات الثاني ؛ مما يشكِّل مناطق برزخية متأرجحة ، هذه الوظيفة للعلاقات الزوجية تكسر من حدة تفرد كل طرف ، وتجعل الخصائص الفائقة نسبية ، فتتطامن ، وجوانب النقص اعتبارية ، فتشمخ ، وكأنها بذلك تتهيأ للتعاون والاندماج عوضًا عن التنافس والصدام .