فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 292

وكأن ذلك يوحي إلينا بإيجاد الأرضيات المشتركة ، والعدول عن النفخ في الخصوصيات الاجتهادية الذي يحولها إلى حواجز منيعة وقواطع حقيقية بين أبناء التيار الواحد ، والأمة الواحدة ! ، وهكذا: فإذا كنا عاجزين عن أن نستشف من النصوص ما يساعدنا على صياغة علاقات ومواقف جيدة ومنتجة .. فإن علينا أن نتعلم من إيحاءات السنن الكونية ما نُصلح به حياتنا الاجتماعية ، وعلاقاتنا الأخوية ؛ حيث إننا في نهاية الأمر جزء من الظاهرة الكونية الكبرى .

3-الإخصاب أوضح نتائج التزاوج بين الأشياء ، وهو أوضح ما يكون في التقاء الأزواج من الإنسان والحيوان ؛ فمن خلال لقاء الزوجين يتم حفظ النوع وإعتاؤه بنسل على درجة كبيرة من التنوع والتعدد .

ولا يقلّ الإخصاب في الأشياء المعنوية والمادية عنه في الكائنات الحية ؛ فمن عناصر الأرض التي لا تزيد عن المئة إلا قليلًا يوجد بين أيدي الناس اليوم ما يزيد على مليونين من المصنوعات ! ، وعلى الرغم من صرامة القوانين والخصائص الكيميائية يوجد في الأسواق ما يزيد على ثمانين ألف نوع من المركبات الكيميائية ، كما أنه يطرح منها في الأسواق كلّ عام أكثر من ألفي نوع جديد ! .

هذه الخصوبة الهائلة هي نتيجة مباشرة لألوان التزاوج التي تتم بين العناصر المختلفة .

ومما لا ينبغي أن يعزب عن البال أن اللقاء السعيد بين العناصر المختلفة يجب أن يتسم بالمزيد من العناية والدقة والتجربة ، إذا ما أردنا إنجابًا وخصوبة على مستوى عالٍ من الجودة ؛ ولهذا السبب أخذ التقدم في علوم الكيمياء يعتمد على الرياضيات أكثر فأكثر ، وقد كان من قبل يعتمد على التجربة ، حيث تمنح الرياضيات مستويات من الدقة ، لا توفرها التجربة .

وقد أصبح من مقاييس التقدم العلمي الشائعة: قدرة دولة من الدول على إنتاج (المواد الجديدة) ذات المواصفات الفائقة ، والمواد الجديدة لا تتخلق إلا من خلال التزاوج بين عناصر لم يسبق لقاؤها على النحو الجديد ، وبالنسب الجديدة .

اللقاء بين الأفكار والثقافات لا يقل خصوبة عن اللقاء بين العناصر الطبيعية ، وهو الآخر يحتاج حاجة ماسّة إلى وعي وفطنة وحذق ، حتى يكون منجبًا ، والقاعدة في هذا: أنه إذا التقت فكرتان ضمن شروط إيجابية ، فإنه ينتج عن ذلك اللقاء فكرة ثالثة ، هي أرقى منهما جميعًا ؛ حيث تؤدي المزاوجة بينهما إلى نضج وتبلور كل منهما ، وحيث يتخلص كل منهما من أجزائه المعطوبة من خلال المقارنة ونمو الوعي النقدي ، لكن ذلك لا يتم إلا إذا اتّسم حاملو الفكرتين بالكثير من الموضوعية والشفافية والهدوء والمرونة الذهنية والرؤية المركبة ، ونحن نلاحظ في هذا السياق أن أكثر من يذهب من إخواننا للدراسة في الغرب ينقسمون إلى فريقين:

فريق يُفتَتَن بما يراه هناك من تنظيم وتقدم صناعي ورعاية لحقوق الإنسان ، فيشغله ذلك عن إدراك بذور الانهيار في تلك المجتمعات ، وجوانب التخلف فيها ، ويؤدي ذلك به إلى الزهادة فيما لديه ، والاستحياء من طرحه على مسامع القوم .

أما الفريق الثاني: فإنه بِداعٍ من الكبر أو الخوف ينغلق على نفسه ، ويتتبع بجدية نادرة كل الجوانب السلبية لديهم ، لكنه يعجز عن تلمس أسرار النهوض والخيوط الدقيقة التي تمد التقدم المادي الهائل الذي أحرزوه بالحيوية والاستمرار .

ويعود هذا الصنف في العادة بنُتَف من المعلومات والمقولات والخبرات التي لا تتكافأ أبدًا مع الجهد والمال اللذين بُذلا خلال سنوات عدة ، ولا يلامس هذا الصنف أبدًا آفاق المنهجية الفكرية والتنظيمية والأخلاقية والثقافية التي تقف خلف (الحضارة الغربية) ، فكأنه ما سافر ولا اطلع ولا تعلم !

إن احتكاك الثقافات والأفكار والمناهج المختلفة قديكون عامل انحسار وهدم وتمزيق ، وقد يكون عامل إثراء وتصحيح وتطوير ، والمهم في ذلك أبدًا هو شروط ذلك الاحتكاك والخلفيات ، والأسس التي يقوم عليها .. إن العزلة والانغلاق لا يكونان أبدًا خيارًا جيدًا إلا إذا كانت شروط التزاوج سيئة وغير متكافئة ، وإذا ما استطعنا توفير الشروط الجيدة لذلك فإن في تلاقح الأفكار والثقافات من عوامل التجديد والنفع والغنى ما لا يمكن التعبير عنه ! .

4-إن قاعدة اللقاء في ظاهرة الزوجية الكونية هي التخالف ، وليست التوافق ، فاللقاء الخصب المنجب يجب أن يتم بين متخالفين ومتباينين ، ومن ثم: فإن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على التخالف ، على المستويات العضوية والعقلية والنفسية ، وهذا التخالف هو الشرط الأساس لوجود ظاهرة (التكامل) والتعاون ، حيث يظهر لكل واحد من الزوجين: أن كمال البنية المشتركة بينهما وهو الأسرة لا يأتي من أيٍّ منهما على انفراد ، وإنما من خلال اللقاء الإيجابي بينهما ، وتكميل أحدهما للآخر .

ليس إدراك التكامل في ظاهرة الزوجية في الخلق متيسرَ الإدراك واللمس في كل وقت ؛ إذ كثيرًا ما تتغلب علينا النظرة الأحادية ، فنتعامل مع الأشياء على أنها عناصر مفردة ، ونغفل عن كونها عناصر في تراكيب أعم !

ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت