فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 292

1-الأشخاص المُقولبون ذهنيًا يميلون إلى الصرامة والعناد. وهم يُعدّون من الأصناف التي تتصف بالصراحة المتناهية والميل إلى فرض أفكار غير متّفق عليها. وقدرتُهم على ترويض أنفسهم للتعامل مع الآخرين بعدل محدودةٌ، كما أن قدرتهم على تجزئة الفكرة واتخاذ مواقف متدرجة من الأفكار المطروحة أيضًا محدودة. ويجب أن نتعامل على هذا الأساس، ومن المهم أن ندرك أن القولبة الذهنيّة ليست شرًا خالصًا؛ إذ إنّ المقولبين ذهنيًا يحدّون من اندفاع المتهوّرين في مسائل التجديد والتطوير، ويمنحون العمل الذي يكونون فيه درجة من الصلابة والمتانة، كما أنهم يلمّون شتاته، ويبثون القوّة في النفوس المتردّدة. إنهم عنصر أمان وعنصر توازن في الوقت نفسه.

2-التعامل مع المقولبين ذهنيًا يحتاج إلى الكثير من الحكمة واللطف والحذر؛ إذ من السهل أن تزيد في درجة عنادهم وتقوقعهم على أنفسهم، وذلك إذا اتهمتهم بالعناد أو ضيق الأفق. وقد يكون من الملائم اتباع طريقة (بلورة المزايا والعيوب) في مجادلتهم. نقول: ما مزايا قولك؟ ما براهينه، وما مستنداته المنطقيّة؟ ما العيوب التي تغشاه، وما نقاط ضعفه؟ ويُطلب منه أن يَطلب ذلك أيضًا من مخالفيه.

إن هذه الطريقة تفتح بابًا للجدل، وتخفّف من لغة التحدي، كما أنها تجعل المقولب ذهنيًا يعتقد أن للحوار إيجابيات، ويعترف أيضًا بإمكانية وجود درجة من الصحّة والقوّة للأقوال المخالفة.

3-من المهم في تعاملنا مع المقولب ذهنيًا أن نتعلم حسن الاستماع، وأن نطلب منه ذلك، وألاّ نلحّ في الوصول إلى نتائج فوريّة. إن جزءًا من صلابته تُشكّل بطريقة غير واعية، وسوف ينتهي أيضًا بالطريقة نفسها.

4-المقولب ذهنيًا لا يملك الحساسية الكافية للتفريق بين ما يشكل رؤية شخصية اجتهادية ظنية، وبين ما يُعدّ من قبيل الثابت والقطعي، وما يُنظر إليه على أنه حقيقة مستقرة، انقطع حولها الجدل. وأعتقد أن ضعف هذه الحساسية يشكل جزءًا من البنية المعرفية لكل البيئات التي ينتشر فيها الجهل والفقر المعلوماتي، ولهذا فإن من المهم أن نثري تقنيات التفريق بين الظني والقطعي، والشخصي والعام في عالم الأفكار والآراء.

5-المقولبون ذهنيًا يعطون للعقل دورًا بارزًا من أجل التعويض عن الثغرات المعرفيّة في منظومات الاستدلال لديهم. وهنا يكون من المهم التوضيح بأن العقل من غير معرفة جيدة كثيرًا ما يكون عاجزًا عجزًا شبه تام عن رسم الأولويّات وعن إصدار أحكام حول العديد من الأمور الجوهرية مثل: اللائق وغير اللائق، والمهم وغير المهم، والآمن والخطر، والمستعجل والمؤجل... ونقوم إلى جانب هذا بتوضيح دور المعلومات في بناء الأفكار والآراء والمواقف والاتجاهات.

6-القولبة الذهنيّة نتاج تعليم مشوّه وبيئة يغلب عليها الجهل، وإن التقدّم على هذين الصعيدين، سوف يساعد على التخفيف من غلواء هذه المشكلة، ومن الله تعالى الحوْل والطّوْل.

لو عدنا إلى أدبيّاتنا عبر القرون الماضية لوجدنا أن معظم تنظيرنا للشؤون الثقافية كان ينصبّ عليها بوصفها علومًا واختصاصات معرفيّة منظمة.

وربما سادت تلك النظرة بسبب قلة ما في أيدينا من المعارف والمعطيات المتعلقة بالإنسان باعتباره كائنًا متعدّد الجوانب ومتعدّد الاحتياجات.

أما اليوم فإن المفهوم (الأنثروبولوجي) للثقافة آخذ في الانتشار والرسوخ؛ حيث إن هناك اعتقادًا متزايدًا بمحدوديّة تأثير (العلم المجرّد) في صياغة السلوك الإنساني، وفي توجيه حركة الحياة اليومية. الثقافة كما بلورها علماء الإنسان هي ذلك النسيج المكون من العقائد والمفاهيم والنظم والعادات والتقاليد وطُرُز الحياة السائدة في بقعة محدّدة من الأرض. إنها طريقة عيش شعب بعينه، أو هي ما يجعل الحياة جديرة بالعيش، وكثير من مكونات الثقافة يستعصي على التخطيط والتنظيم؛ لأنها تشكل الخلفيّة (اللاواعية) لكل تخطيط وتنظيم. إن تنوع العناصر المكونة للثقافة يمنحها قوة هائلة في مواجهة الوافدات الأجنبيّة، وما يمكن أن تتعرض لها من ضغوطات داخليّة. إنه حين يتعرض أحد أنساق الثقافة للهجوم أو الهون، فإنها تعتمد في استمرارها واستعادة حيويّتها على باقي أنساقها، لكن نقطة قوة الثقافة هذه هي أيضًا نقطة ضعفها؛ حيث يعرّضها تنوّع مكوّناتها في أحيان كثيرة إلى ما يشبه الانقسام على الذات بسبب التصادم بين بعض أنساقها؛ وهذا ما يجعلنا في حاجة إلى ما سميناه (إدارة الثقافة) .

أودّ هنا أن أدلي بالملاحظتين الآتيتين في هذه القضية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت