فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 292

في الماضي البعيد قامت مزاوجة في بنية التربية والتعليم بين علوم الشريعة والعلوم الحياتية والكونية ، وقد أنجب ذلك الاقتران حضارة إسلامية زاهية باهرة ، ثم أخذت علوم الحياة تنسحب من المناهج والحلق الدراسية شيئًا فشيئًا ، حتى جهلت الأمة أبجديات المعرفة في الطبيعة والكون والصناعة ، ووصلت إلى الحضيض ، واليوم ترتكب الأمة الخطأ نفسه على نحو معكوس ، حيث تَرَاجع نصيب العلوم الشرعية في المناهج الدراسية في أكثر البلدان الإسلامية ، كما تراجعت المفردات القيمية والأخلاقية في لغة التربية والإعلام ، وكان حصاد ذلك: أعدادًا كبيرة من البشر تحيط بالكثير من المعارف المختلفة ، لكنها تجهل بدهيات وأساسيات في عباداتها ومعاملاتها ! ، وصار لدينا اليوم كمّ هائل من المفردات التي تحث على النشاط والفاعلية والنجاح والتنظيم وحيازة الثروة وتحقيق الذات .. على حين تنوسيت المفردات التي تغرس أخلاق الصلاح والاستقامة والبعد عن الحرام ، والإقبال على الآخرة .. ولا بد أن الناس بدؤوا يشعرون بعواقب هذا الخلل من خلال انتشار اللصوصية وهي أصناف ، والرشوة ، والشره المادي ، والأنانية ، والانغماس في الشهوات ، وقطع الأرحام ، ونسيان الله والدار الآخرة .

6-إذا كانت (الزوجية) تمثل قاعدة مهمة من قواعد خلق الوجود ، فإن ذلك يعني أن ننسجم نحن مع تلك القاعدة ، ونحاول أن نمتلك رؤية مركّبة للأشياء ، ما دام ليس هناك شيء لا ينتمي إلى مركبٍ ما على وجه من الوجوه .

وامتلاك هذه الرؤية سيكون ضروريًّا للمحافظة على توازننا العقلي والنفسي ، وضروريًّا لوضع الأمور في نصابها الصحيح ، وعلى سبيل المثال: فإنه مهما بلغ صلاح الأفراد والجماعات ، فلا ينبغي أن نفسر ما نراه لهم من تصرفات على أساس المبادئ وحدها ، فهناك مبادئ ، وهناك مصالح أيضًا ، وليس في هذه الأرض من يستطيع النفض عن مصالحه على نحو كامل .

وفي مقابل هذا: فإن السواد الأعظم يحاولون تحقيق مصالحهم في إطار المبادئ التي يؤمنون بها ، ما وجدوا أن ذلك ممكن ، وبما أن المبادئ والمصالح طرفان في تركيب زوجي واحد ، فإن احتمال جور الإنسان على أحدهما لحساب الآخر ، يظل أمرًا واردًا ، بل يكون في كثير من الأحيان أمرًا لا مفر منه ، ولست أقصد من وراء هذا شيئًا سوى الاستبصار في فهم سلوك الناس ، وفهم خلفياته ، ومحاولة تفسيره على أنه يتم وفق موازنات ، وفي سياق ضرورات وطموحات ، وتحت ضغوط وأحيانًا تهديدات ، وهذا مهم في الاقتداء والإعذار وأمور أخرى ..

الرؤية المركبة تجعلنا نبصر القصور الذاتي إلى جانب التآمر الخارجي ، وإعطاء كلٍّ منهما وزنه وتأثيره الحقيقي ، كما أنها تجعلنا نشعر بنعمة الرخاء وفيوض النعم إلى جانب الإحساس بالحساب والسؤال عنها يوم القيامة .

بالرؤية المركبة ندرك الصبر وعواقبه ، والظلم ومآلاته ، وبذلك يتم لنا توسيع مجال الرؤية ؛ لنقف على طرفي الموازنة وعنصري المزاوجة ، وبذلك نجسِّر العلاقة بين الأطراف المتنافسة والمتحالفة ، ونحاول أن نرى الأرضية المشتركة التي تجمع بينها .

(*) الآية: 49 من سورة الذاريات .

#{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا }

تشعر أمة الإسلام اليوم بغربة حقيقية بين الأمم المعاصرة ، وتجد نفسها فريدة ومتميزة على مستوى المبادئ والمفاهيم والأهداف ؛ وهذا التميز والتأبي على السير في ركاب القوى العظمى جرّ عليها ضغوطًا أدبية ومادية ، هي أكبر مما نظن بكثير .

إن أدبياتنا تعلمنا أن الأسلوب الصحيح في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته لايكمن في التشاغل بالرد عليها ؛ مما قد يجرنا إلى معارك خاسرة ، وإنما يتمثل في الانكفاء على الداخل بالإصلاح والتنقية والتدعيم ... ولا ريب أن ذلك شاق على النفس ؛ لأن المرء آنذاك ينقد نفسه ، ويجعل من ذاته الحجر والنحّات في آن واحد !

والآية الكريمة التي نحن بصددها معْلم بارز في التأصيل لهذا الانكفاء ، ولعلنا نقتبس من الدوران في فلكها الأنوار التالية:

1-إن كثيرًا من النصوص يوجهنا نحو الانكفاء على الداخل في مواجهة الخارج بالنقد والإصلاح والتقويم والتحسين ، وإن المتتبع للمنهج القرآني في قصِّه أحوال الأمم السابقة يجد أن ما ذكره القرآن الكريم من أسباب انقراضها واندثار حضاراتها لا يعود أبدًا إلى قصور عمراني ، أو سوء في إدارة الموارد واستغلالها ؛ وإنما يعود إلى قصور داخلي ، يتمثل في الإعراض عن منهج الله (جلّ وعلا) واستدبار رسالات الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذه الحقيقة بارزة في جميع أخبار الأمم السابقة ؛ حتى يتأصل في حسِّ القارئ للكتاب العزيز إعطاء الأولوية لصواب المنهج قبل أي شيء آخر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت