وحين حلّت الهزيمة بالمسلمين في أحد ، وقال بعض الصحابة (رضوان الله عليهم ) : كيف نُهزَم ونحن جند الله ؟ ! جاء الجواب: { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ } [آل عمران: 165] فالهزيمة وقعت بسبب خلل داخلي ، وليس بسبب شراسة الأعداء ، وكثرة عددهم وعتادهم ؛ إذ لا ينبغي تضخيم العدو إلى الحد الذي يجعل تصور هزيمته شيئًا بعيدًا ؛ فالعدو بَشَر له أحاسيسه ، وله موازناته ومشكلاته ، وبالتالي إمكاناته أيضًا ، وفي هذا يقول (سبحانه) : { إن تَكُونُوا تًَالَمُونَ فَإنَّهُمْ يًَالَمُونَ كَمَا تًَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ } [النساء: 104] .
2-ترمي الآية الكريمة إلى تدعيم (الذاتي) في مقابل (الموضوعي) ؛ إذ تعلِّم المسلم أنه إذا ساءت الظروف فإن عليه أن يُحسِّن من ذاته ؛ لأن من المعروف أنه حين تسوء الظروف ، فإن الغالب أن يسوء الإنسان نفسه ، ولذلك: فإنه يحدث في حالات الفقر الشديد نوع من التحلل الخلقي من نحو: السرقة ، والرشوة ، وسؤال الناس ، والذل ، والتحايل ، والغش ، والبخل ، وقطيعة الرحم ... والمطلوب من المسلم آنذاك: أن يقف (وقفة رجل) فيضغط على نفسه ، ويضبط سلوكه ويُلغي أو
يؤجل بعض رغائبه ، ويقتصد في نفقاته ، حتى تمر العاصفة ، وينتهي الظرف الاستثنائي .
ومن النصوص الواضحة في تدعيم الشخصية عند صعوبة الظروف قوله:
(يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة ، فليتزوج ؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [1] .
لم نكن على مدار التاريخ نمتلك الوعي الكافي بهذه الحقيقة ، فبدل أن نلجأ إلى التربية والتوجيه والتعاضد والتراحم ، واكتساب عادات جديدة ، واقتلاع المشكلات من جذورها .. كنا نواجه التفسخ الاجتماعي والانحراف السلوكي بأمرين: القوة ، ومزيد من القوانين ، حيث كانا أقرب الأشياء إلينا تناولًا ، وأقلها تكلفة حسب ما يبدو وقد عبّر عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) عن هذه الحقيقة حيث قال: (يحدث للناس من الأقضية على مقدار ما يُحدثون من الفجور) .
ونحن نقول: إن شيئًا من التوسع في الأنظمة والتشريعات الرادعة يحدث عند جميع الأمم ، حين يقع تهديد خطير لأمن الناس وحقوقهم ، لكن الجزاءات والعقوبات هي أشبه شيء بالتدخل الجراحي في العلاج الطبي ، فهو آخر الحلول ، وعند اللجوء إليه ينبغي أن يتم في أضيق الحدود ! .
إن العقوبات الرادعة إنما وجدت لمن فاتتهم التنشئة الاجتماعية القويمة ؛ والعقوبات لا تنشيء مجتمعًا لكنها تحميه . وهذه رؤية إسلامية جلية ، فآيات الأحكام والعقوبات جزء منها لا تشكل أكثر من عُشْر آيات القرآن الكريم ، أما الباقي فكان يستهدف البناء الإيجابي للإنسان من الداخل . إن التجربة علمتنا أن كثرة القوانين وتعقيدها تصب دائمًا في مصلحة الأقوياء ، وتزيد في قيود الضعفاء ! ، وأن البطش لا يحل المشكلات ، لكن يؤجلها ، فيكون حال المجتمع كمن يأكل عن طريق الدّين ، فهو ينتقل من سيء إلى أسوأ ! ! .
إن الدولة الفاضلة هي التي تدير مجتمعها بأقل قدر ممكن من العنف واستخدام القوة ؛ لأنها ترتكز أساسًا على استخدام الأساليب والأدوات السلمية في الضبط والإدارة .
إن الآية الكريمة تعلمنا مرة أخرى: أن النصر الخاص يسبق النصر العام ، وأن الأمة المنتصرة على أعدائها هي أمة حققت نصرًا داخليًّا أولًا ، وحقق كل واحد من أفرادها نصرًا خاصًّا على صعيده الشخصي قبل كل ذلك .
3-لا ينبغي لنا أن نفهم نصًّا من النصوص بمعزل عن المنظومة التي ينتمي إليها ، ويعالج معها مشكلة واحدة ؛ والنص الكريم هنا يوجهنا إلى أمرين: الصبر ، والتقوى .
ويعني الصبر: احتمال المشاق والديمومة في تأدية التكاليف الربانية ، مهما كانت الظروف قاسية ؛ لأن ذلك نصف النصر ، إذ إن نصف الفوز يأتي من جهودنا ، وقبله من توفيق الله (تعالى) لنا ، والنصف الثاني يأتي من أخطاء أعدائنا .
إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة كما هو مفهوم العوام لكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة ، وقد جرت العادة أن الناس حين يرون إنسانًا متفوقًا: يطلبون منه حلولًا سريعة لمشكلاتهم المتخمرة والمتأسنة ؛ والحلول السريعة تفضي في كثير من الأحيان إلى اليأس والإحباط ، أو إلى الاندفاع والتهور ؛ مما يعقِّد المشكلة أكثر مما يحلها ! .
إن من المهم أن ندرك أن ثمة أوضاعًا كثيرة لا نستطيع أن نفعل حيالها الآن شيئًا ، لكن إذا قلنا: ماذا نستطيع أن نفعل تجاهها خلال عشرين عامًا ، فسوف نرى أننا نستطيع أن نفعل أشياء كثيرة جدًّا ، فكأن الصبر استخدام للوقت في الخلاص من أوضاع لا نستطيع الآن أن ننجح في الخلاص منها .