فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 292

4 -محاولة القيام بتقويم سنني للأحداث الكبرى في تاريخنا والمعالم البارزة في واقعنا المعاش .

5-القيام بدراسات علمية مستقبلية تعتمد على ما فقهناه من سنن الله تعالى في حركة الفرد والمجتمع .

وإذا ما فعلنا ذلك فسوف نجد الخلاص من كثير من مشكلاتنا ، كما سنجد ساحات ودروبًا للحركة والعطاء . وعلى الله قصد السبيل .

(1) انظر هذه الأخبار وكثيرًا نحوها في كتاب الفتن من صحيح البخاري .

(2) الطبري 4/173 .

(3) السابق 4/30 .

#{ وقل اعملوا .. }

خلق الله تعالى الجنة دارًا لتكريم أوليائه ، فوفر فيها كل شروط التكريم ؛ وخلق النار دارًا لإهانة أعدائه ، فوفر فيها كل شروط الإهانة ؛ وخلق الدنيا دارًا لابتلاء الفريقين ، فوفر فيها كل شروط الابتلاء .

إن هذا الدين يعلمنا أن كل ما يحيط بنا في دائرتي الزمان والمكان يمثل بالنسبة لنا ضرورة تتحدانا ، وعلينا أن نعيه ، ونتصرف معه التصرف اللائق بالإنسان المكرم المبتلى .

إن كل لحظة تمر على الإنسان في هذه الحياة هي لحظة اختبار ، وهي في الوقت ذاته ضرورة تتحدى ، وهي (كم) يتطلب منا تكييفًا مناسبًا ، فإذا لم نستطع تكيف تلك اللحظة مضت تاركة وراءها قيدًا على حرياتنا ووجودنا ! وإن التكييف في موازين هذا الدين السمح قد يأخذ في بعض الأحيان صورة اعتبارية محضة ، كما هو الشأن مع الذي يبادر إلى فراشه فيما يتمكن من حضور صلاة الفجر مع الجماعة ؛ فإنه قد كيف كل لحظه نوم بما انطوت عليه سريرته من قصد . وعلى هذا فإن البطالة والنوم - غير المكيف - ضربان من ضروب الفناء والعبودية المكبلة بالأغلال !

إن كل ما حولنا من فكر ومادة وضرورات هي الأخرى تنادي الإنسان المبتلى كي يتحرر من قيودها بتكييفها ؟ إن الفكرة الصحيحة تتحدانا كي نعممها ، وإن الفكرة الخاطئة تتحدانا كي نفندها ونحجمها ، وإن الفكرة الغامضة تتحدانا ؛ لننفذ إلى جوهرها ، كما أن الفكرة القاصرة تتحدانا لنطورها .

إن الأرض تتحدانا لنزرعها ، فإذا قبضنا على منتوجها تحدانا هو الآخر كي نصنعه على الوجه الأمثل . إن نديف القطن يتحدى النساجين ، فإذا ما صار قماشًا دخل في طور من التحدي جديد ، فلئن كان النساجون قد تحرروا من قيود النديف فقد وقع الخياطون في ضرورة النسيج إلى أن يحيلوه ثوبًا جميلًا . فإذا ما عجزت أمة عن أن تخيط نسيجها بين يديها ، أو تزرع أرضًا خصبة تملكها تحول ذاك وهذا إلى قيود على حريتها ووجودها ، وإن من القيود ما يقتل ، ومنها ما يشل ، ومنها ما يشوه ...

وليس انتقال الإنسان من ضرورة إلى أخرى انتكاسًا أو زجًا له في دائرة مغلقة - كما قد يتوهم - فنحن إذ نتردد بين مشكلاتنا وحلولها إنما نمضي في حركة لولبية صاعدة تمنحنا المزيد من الحرية والقدرة والتأنق .

إن كل سلعة مصنعة نستوردها هي عبارة عن ضرورة نطوق بها أعناقنا ، وإن أشد المستوردات خطرًا على حريتنا تلك التي تكون أكثر إلغاء للعمل عند مستوردها ؛ لأن العمل هو الحرية ، والذي يلغيه يلغي الحرية . ذلك لأن السلعة المصنعة كانت من قبل مادة غفلًا وكان لإمكاننا أن نمارس حريتنا في تصنيعها وتحويلها ، وقد صودرت هذه الحرية حين قام بتشكيلها غيرنا .

وقد أدركت الأمم المتقدمة هذه الحقيقة فتسابقت إلى استيراد المواد الخام ، ووضعت القيود على استيراد السلع المصنعة ؛ فهي لا تبادل الدول الأخرى منها إلا قدرًا بقدر حتى تمارس حريتها كاملة ؛ وترى ثمار ما عملته أيديها ..

إن حرية الفرد في المجتمع على قدر عمله ، فإذا ما أخذ من الآخرين أكثر مما يعطيهم فقد من حريته مقدار ما يزيد لهم عنده . وإن أقسى ما يواجهه الحر الكريم أن يرى نفسه غارقًا في عطاء الآخرين دون أن يكون لديه ما يعطيهم ؛ لشعوره بأن ذلك على حساب حريته ، أي: على حساب وجوده ! !

إن العمل هو طريق الخلاص ، وهو طريق تحقيق الذات ؛ ولكن هل كل حركة بركة ، وهل كل عمل هو كسر للقيود وإعتاق للرقاب ؟ ؟

لاريب أن الأمر ليس كذلك ، فالسكون في أيام الفتن - مثلًا - خير من الحركة ، ورب حركة متعجلة قصد منها كسب الحرية أدت إلى الرسف في أغلال العبودية سنين طويلة ، ذلك لأن العمل عبارة عن غزو الصورة للمادة ، وإذا ما شكلت مادة ما على صورة خاطئة فإن هذا قد يعني الحرمان منها باعتبارها كمًا ، وباعتبارها كيفًا ؛ لأن أشياء كثيرة قد لا تقبل أن تتشكل إلا مرة واحدة ! ! إنه لا بد من توفر شرطين أساسيين في العمل الكريم ، هما الصواب والإخلاص ، أي القوة والأمانة ، أو القدرة والإرادة ، وإن كان بعض الأعمال يعتمد على أحدهما أكثر من اعتمادها على الآخر ؛ فأعمال الآخرة تعتمد على الإخلاص أكثر من اعتمادها على الصواب ، وإن يكن الصواب أساسيًا . وأعمال الدنيا تعتمد على الصواب أكثر من اعتمادها على الإخلاص ، فكلما كان الإخلاص أعظم كانت المثوبة أكبر ، وكلما كان الصواب أكبر كان النجاح أكثر ، تلك هي سنة الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت