فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 292

هناك اليوم حركة محمومة في الغرب لدراسة المستقبل ، حتى صار لديهم علم اسمه » علم المستقبل « . وهم يصنفون المستقبل إلى مباشر ، وهو يغطي مساحة زمنية قدرها عام ، ومستقبل أقرب وهو يغطي مساحة قدرها خمسة أعوام ، ومستقبل قريب يغطي مساحة قدرها عشرون عامًا ، ومستقبل بعيد يمتد إلى نحو خمسين عامًا ، ومستقبل أبعد يتجاوز الخمسين . وهم لخبرتهم الحسنة بالواقع يستطيعون مد البصر نحو المستقبل في المجالات التقنية والتنموية المادية بصورة خاصة . لكن لاعتقادهم أن العلم هو الذي يكيف سلوك البشر ، وليس الدين فإن كثيرًا من توقعاتهم سوف تكون مخيبة للآمال . وتاريخ البشرية هو تاريخ الرسالات والشرائع وما تحدثه من دوائر الاستجابة وردود الفعل ؛ وسيظل مستغلق الفهم على من نظر إليه على غير ذلك .

وإذا كانت وظيفة الإنسان في الحياة هي الالتزام بشرع الله والقيام بإعمار الأرض فإن القرآن الكريم يحدثنا أن هلاك الأمم الماضية لم يكن أبدًا بسبب القصور العمراني ، وإنما بسبب التقصير في جانب العبودية لله تعالى والانحراف عن منهجه . وهذا ما لا يستطيع الغربيون اليوم فهمه ؛ ومن ثم فإن كثيرًا من دراسات المستقبل لديهم سيظل جهادًا في غير عدو !

ونستطيع القول: إن الإسلام يربي المسلم على النظر دائمًا نحو الأمام ؛ فهو منذ البلوغ إلى أن يلقى الله - تعالى - يرنو نحو المستقبل بالآخرة - بل يجعله حكمًا في حاضره بكل حركاته وسكناته . وهناك نصوص كثيرة تتحدث عن المستقبل ، وهذه النصوص منها ما يقدم الإطار العام كقوله - سبحانه -: { إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد: 11] . وكقوله - سبحانه -: { َقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا } [نوح: 10-12] .

ومنها ما يقدم بعض التفصيلات كإخباره -صلى الله عليه وسلم- عن أن الفنتة ستأتي من قبل المشرق ، وإخباره عن فشو الأمراض الغريبة في الذين تفشو فيهم الفاحشة [1] إلخ .. وقد أوجدت معرفة السنن عند السلف حسًا خاصًا بالتعامل مع الواقع من خلال إفرازاته المستقبلية ؛ فهذا أبو بكر - رضي الله عنه - يقول:

» لا تغبطوا الأحياء إلا على ما تغبطون عليه الأموات « وهذا تعبير مركز ينمُّ عن رؤية الأشياء المادية ونهاياتها في لحظة واحدة ! !

وهذا عمر - رضي الله عنه - يأتيه خبر فتح خراسان ، فيقول للناس في المدينة: » لا تبدلوا ، ولا تغيروا ، فيستبدل الله بكم غيركم ، فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تؤتى من قبلكم « [2] . وهذا هو يؤتى إليه بغنائم » جلولاء « ،

فيرى ياقوته وجوهره ، فيبكي ، فيقول له عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر ؟! فيقول عمر: » والله ما ذاك يبكيني ، وتاالله ما أعصى الله هذا أقوامًا إلا تحاسدوا وتباغضوا ، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم « [3] ! وقد كان ما خافه رحمه الله !

لماذا التعرف على السنن:

السنن ماضية قاهرة ، ونحن لا نتعلمها من أجل تغييرها أو تحييدها ، وإنما من أجل الانسجام معها والعمل بمقتضاها وتلافي الاصطدام بها . والسنن مع جبريتها لا تمنعنا من الحركة ؛ إذ إن بين جبرية السنن ووسع المسلم وطوقه مساحات واسعة تصلح للتحرك والعمل ؛ فالقوانين الفيزيائية والكيميائية ثابتة ، لكننا من خلال فهمها استطعنا إيجاد الألوف من الصناعات الكيميائية والفيزيائية مستغلين ما بينها من خلاف وتنوع .

ومشكلتنا في هذه القضية ذات رؤوس متعددة:

فهناك من هو غارق في الماضي غريب عن الحاضر ، فهو يرى مقدمات الأحداث وجذورها ، دون أن يرى النتائج ، فهو مغترب أبدًا .

ومنا من غرق في الحاضر دون أن يعرف عن بدايات الخلق لأزماته ومشكلاته شيئًا ؛ فهو يدور في حلقة مفرغة لا يرى مخرجًا ، ولا يهتدي سبيلًا .

ومنا من شهد جبرية السنن ، ولم يشهد مساحات التكليف وإمكانات الحركة ، فوقف عاطلًا عن العمل هاجعًا في إجازة مفتوحة ، لكنه أثرى أدب الشكوى من الزمان والظروف وتواطؤ الأعداء بما لا مزيد عليه ! !

ومنا من غرق في الأحلام الوردية ؛ فهو لا يرى ما هو كائن لينطلق به إلى ما ينبغي أن يكون ؛ فهذا شاق ، ويقتضي عملًا ، فوجد أن التعامل مع ما حوله على ما ينبغي أن يكون أسهل وأجمل فصار إليه !

ومنا من لم يسمع بالسنن فتفكيره إلى الخرافة أقرب ، وعلمه بالإرادة الكونية والإرادة الشرعية هباء ، والحياة أمامه بعد واحد ينتهي بطريق مسدود !

واجبنا اليوم:

1 -التركيز في معارفنا العامة على الدراسات التاريخية والنفسية والتربوية والاجتماعية ؛ لنتمكن من استجلاء أكبر عدد ممكن من سنن الله تعالى في الأنفس والمجتمعات .

2-بلورة مناهج للعمل الدعوي تتناسب مع تلك السنن في أساليبها وأدواتها .

3-تربية أبنائنا وطلابنا على التفكير السنني ؛ ليحل محل الأوهام والخرافات التي عششت في أذهان كثير منهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت