1-تكون القيم اليومية على نحو حسن؛ إذ إن تجسيد القيم يشكل لها شريان الحياة الذي لا تستطيع البقاء من غيره. كما أن القيم تكون ضعيفة إذا لم تتمكن من توفير قدر من الإقناع والإرضاء للأجيال الجديدة المتطلعة إلى الجديد والعملي والمريح.
2-يتخذ الاختراق الثقافي والقيمي في بعض الأحيان إجبار الشعوب المخترقة على وضع قيمها أو بعض قيمها موضع تساؤل واستفهام وشرح؛ بغية تأويلها أو تجاوزها. إن القيم أشبه شيء بالصحة، نسأل عنها ونتحسّسها حين نشعر أنها باتت في خطر، ونحن اليوم نطرح على أنفسنا العديد من التساؤلات المتعلقة بعدد من القيم، وذلك مثل:
-هل نحن عاطفيون أكثر مما ينبغي؟
-هل لدينا نظام حكم إسلامي كامل أو مبادئ توجه الحاكم المسلم؟
-ما أسباب انتشار الاستبداد في كثير من بلدان العالم الإسلامي؟
-ما أسباب ما لدينا من نقص من جدية ودقة ومصداقية في مجال الأعمال؟
-ما أسباب ضعفنا العام، وتمزّق شعوبنا ودولنا على هذا النحو؟
وهكذا فإن لدينا عشرات الأسئلة من هذا القبيل، والتي سنختلف في الإجابة عنها، وهذا الاختلاف يشكل الدليل الملموس على وجود الاختراق القيمي.
3-إذا تأمّلنا في القيم السائدة في العالم لما وجدنا كبير اختلاف فيما بينها، وإنما يمكن التباين في ترتيب السُلّم القيمي، وفي مقدار الاهتمام الذي يوليه شعب ما لقيمة من القيم. وعلى سبيل المثال فإن إكرام الجار وبر الوالدين وصلة الأرحام والصدق في القول والوفاء بالعهد من القيم العالمية المعترف بها في كل مكان. والذي يُظهر الخصوصيات القيمية هو تعارض هذه القيم مع قيم أخرى، فإذا كانت -مثلًا- رغبة الزوجة في أن تسكن في بيت منفرد، وكانت رغبة الأبوين أن يقيم ابنهم الوحيد مع أسرته معهم فإن مدى الاهتمام بقيمة الوالدين هو الذي سيتحكم في قرار الزوج. ونحن نعرف كيف يحدث التبدّل الآن بالنسبة إلى هذه القيمة، فقد كان من غير المقبول قبل خمسين سنة أن يترك الشاب بيت أبويه إذا تزوّج، ثم صار ذلك مقبولًا. وصارت إقامة الأبوين عنده شيئًا معقولًا. والآن فإنّ كثيرًا من الأبناء يفضلون إسكان آبائهم وأمهاتهم في دور منفصلة والإنفاق عليهم، أو التخلّص منهم بإلجائهم إلى الذهاب إلى بيوت كبار السن...!
ولعلنا نلاحظ اليوم أننا نركز في تثقيفنا وفي تربيتنا على امتلاك المزيد من (القوة) على حساب الاهتمام بقيمة (الرحمة) ، كما صار للنجاح والثراء مساحة متسعة على حساب مساحة التقوى والورع؟ اليوم مساحة الاهتمام بخدمة الذات على حساب قيمة خدمة الناس، ومساحة اللهو و (الفرفشة) والمتعة وإرواء حاجات الجسد على حساب مساحة الاهتمام بالسمو الروحي والتأنّق الخُلُقي، وصار الحديث عن الفضيلة والمروءة يلقى نوعًا من الاستهجان لدى بعض الناس... وهكذا.
إن هذه القضية ليست واضحة في ذهني بالقدر الكافي، لكن أحببت إثارة الاهتمام حولها بغية توليد وعي جديد بمسألة التبدّل القيمي حتى نسعى إلى تجديد قيمنا وتحصينها بالطريقة التي تتلاءم مع مبادئنا ومثلنا العليا. والله الموفق
د. عبد الكريم بكار 26/12/1426
ليست الحيرة شرًا محضًا؛ فالجزم في حالات الغموض والأوضاع المتنازع في شأنها يعبر عن الجهل وضعف الوعي، لكن ذلك يجب أن يظل محدودًا بمستويات معينة، وإلا أصبح عامل شلل ومصدر يأس وإحباط.
لدى الشباب همة وتطلّع وطموح ورؤى وأحلام... وكل هذا أساسي في كل المراحل العمرية؛ لكن محدودية الخبرة وضعف المعرفة بحدود الواقع ومدى ممانعة المجالات المتاحة... تجعل الفواصل بين الممكن والمستحيل غير مدركة، وهذا يؤدي إلى السقوط في الكثير من الأوهام، ويُحدث بالتالي الكثير من الصدمات النفسية والانعكاسات السلبية. هل كل هذا طبيعي، وشيء لابد منه، أم أن هناك خللًا ما يجعل ذلك شيئًا خارجًا عما ينبغي أن يكون؟ وما أسباب هذه الوضعية الصعبة؟ وكيف يمكن التخفيف من لأوائها؟ هذا ما أريد أن أتحدث عنه؛ ولكن دعوني أشرح أولًا ما قصدته من حيرة الشباب عبر المفردات الآتية: