فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 292

7-شهد أكثر بلدان العالم الإسلامي نشاط تيارات ، وطنية ، وقومية ، وإقليمية نبتت لتملأ الفراغ الذي خلفه انهيار الخلافة العثمانية ، وهذه التيارات أفرزت فلسفات وأدبيات تمجد الكيانات الصغيرة ، وتبحث لها عن أمجاد خاصة بعيدًا عن الولاء للوطن الأكبر ، مما يستدعي جهودًا فكرية وأدبية وثقافية كبرى تعيد بناء العلاقة السوية بين عالمنا الإسلامي الكبير ، وبين الأوطان الإقليمية التي نعيش فيها ، والأعراق والأجناس التي ننحدر منها .

هذه بعض المعوقات التي تقف أمام خطوات توحيد العالم الإسلامي لكن لأن الوحدة في عمومها مطلب شرعي ومصيري فإن السعي نحو التقليل من أسباب الشتات والفرقة ، وبلورة بعض الأطر والمؤسسات التوحيدية يظل هدفًا وهاجسًا لكل الغيورين على هذه الأمة والمخلصين لهذا الدين .

وبما أن الحديث موجه أصلًا إلى هؤلاء ، فإن بالإمكان أن نذكر بعض الإمكانات المتاحة للأفراد والهيئات الشعبية والرسمية ، مما يعد تمهيدًا لجمع شمل الأمة على مستوى ما ، وبكيفية من الكيفيات على الوجه التالي:

1-تحتل اللغة العربية مكانة هامة بين وسائل التوحيد ، ومن ثم فإن المدخل الصحيح لكل أنواع التقريب بين المسلمين هو تعميم العربية بين الشعوب الإسلامية التي لا تنطق بها باعتبارها لغة أولى ؛ إذ إن اللغة ليست وعاء فقط ، لكنها وعاء ومضمون وقوالب للتفكير في آن واحد [*] ؛ وينظر المسلمون في بقاع الأرض إلى العربية نظرة إجلال وتقدير لكونها لغة كتابهم ونبيهم -صلى الله عليه وسلم- وتراثهم الروحي والثقافي ، وهذا يساعد كثيرًا في الإقبال على تعلمها ونشرها ، ومن واجب الجماعات والمؤسسات والهيئات المختلفة أن تسعى لإدخال العربية إلى مناهج تلك الشعوب باعتبارها لغة ثانية ، كما أن من واجبها العمل على فتح المعاهد والمراكز التي تعلم العربية .

2-من واجب الجماعات والمؤسسات الإسلامية أن تسعى إلى بلورة بعض الأطر الوحدوية كالاتحادات الإسلامية مثل (اتحاد المدرسين المسلمين ، واتحاد التجار المسلمين) .. وهكذا ، وهذا الأمر ليس باليسير إذا أدركنا أهميته ، وفرغنا له الكفاءات والطاقات المطلوبة .

كما أن من المطلوب منا أن نسعى في المنطقة العربية إلى إدخال لغة إسلامية ، كالتركية ، أو الأردية إلى مناهج تعليمنا ، حتى نقيم جسور الأخوة والتفاهم بيننا وبين إخواننا .

3-للدعاة الذين يجوبون العالم الإسلامي دور خطير في اكتشاف كل ما ينمي أوجه التعاون والتكامل بين بلدان العالم الإسلامي ثم الكتابة عن ذلك ونشره ، لتتعزز معرفة المسلمين بالإمكانات التوحيدية المتاحة .

4-العالم الإسلامي بحاجة إلى عدد من مراكز المعلومات والدراسات المرموقة التي تعنى بتثقيف الناس بهموم العالم الإسلامي ، والكشف عن إمكاناته الاقتصادية والتجارية وغيرها ؛ بغية حث الناس على توجيه طاقاتهم وتحركاتهم نحوها .

5-في زماننا هذا قد يكون الاقتصاد في كثير من الأحيان هو ما تبقى من السياسة ، بل إن السياسة تتجه لتتمحض لخدمة الاقتصاد ، وفي هذا الصدد فإن من الحيوي لنمو الصناعات في العالم الإسلامي إقبال المسلمين على استهلاكها ، وسد حاجاتهم بها ، ونحن نقف في كثير من الأحيان من هذه المسألة الموقف المنكوس حيث ننتظر تحسن الصناعة حتى نقبل على استهلاكها ، مع أن من أهم سبل تنميتها وتحسينها ارتفاع مبيعاتها ، ونجد في هذا الشأن أن أبناء الصحوة لم يفعلوا شيئًا ذا قيمة في طريق تشجيع الناس على ش'راء المصنوعات الإسلامية: لا عن طريق الطرح في الإطار النظري ولا عن طريق القدوة الحسنة ! .

6-يتطلب توحيد العالم الإسلامي المرحلية والتدرج على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأقاليم ، والكتل الإقليمية يمكن اعتبارها خطوات إيجابية على الطريق إذا قامت على النهج الإسلامي ، وكانت مفتوحة ، تشجع الانضمام إليها ، وتنمي في الوقت ذاته أدبيات (الكل) الإسلامي المنشود .

وفي الختام فإنني أعتقد أن الطريق شاق وطويل لكنه الطريق الوحيد الذي لا مفر منه ، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة ، وحين يتوفر الإخلاص فإن رحمة الله قريب من المحسنين .

(*) ومع التسليم بأهمية اللغة العربية إلا أننا نعتقد أن (العقيدة) الحقّة المنبثقة من التوحيد الخالص هي الخطوة الأولى لأي عمل وحدوي ، وأهمية إشاعتها وتصحيحها مطلب مهم يجب البدء به ، وهذا ما أشار إليه الكاتب الكريم في بدايات مقاله ، ولا يُعارِض ما ذكره هنا إذ إن العربية هي الوسيلة المثلى لفهم نصوص الوحي وتعلم عقيدة الإسلام .

يزداد تشعب العلوم يومًا بعد يوم ، ويصبح الفرع فروعًا ، ويتولد من العلم الواحد علوم ، وتتفجر المعرفة نتيجة الأعداد الضخمة من المثقفين الذين يعملون في مجالات البحث العلمي ، ونتيجة الوسائل الكثيرة المتاحة لهم ، وعلى رأسها الحاسب الآلى .

وإلى جانب هذا فإن العلم نفسه صار يفرز مشكلات جديدة ، يوصف كثر منها بأنه مصيري ، ويتقدم العلم ويزداد تشابكه مع العلوم السياسية والأخلاقية ! مما دفعنا إلى تسليط الضوء على هذه القضية .

من هو المفكر ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت