لكن على الرغم من كل ما حصل ظلت أشواق الوحدة تضطرم في النفوس ، وظلت الأبصار مشدودة نحو مستقبل لأمة الإسلام ، يسوده الوئام والتناصر ، ومع كل صدع يصيب كيان هذه الأمة على أي مستوى كانت تتصدع قلوب كثير من المخلصين الغيورين .
فما هي العوائق التي مازالت تحول دون أي شكل واسع ذي قيمة من أشكال الوحدة ، والتنسيق بين دول وشعوب العالم الإسلامي ؟
نحن ننظر ابتداء إلى أن عقيدة التوحيد قادرة على جعل من يؤمن بها أمةً من دون الناس يحكمها منهج واحد ، وتنتهي إلى غايات واحدة ، كما أن تلك العقيدة بما يتبعها من أحكام ونظم تحدد أشكال التعامل بين هذه الأمة وبين غيرها من الأمم ، وهذا كله يجعل تحقيق شكل من أشكال الوحدة بين شعوب العالم الإسلامي أمرًا طبيعيًا بدهيًا ، ولا سيما أن غير المسلمين ينظرون إليهم على أن لهم من التجانس والتميز ما يجعلهم جميعًا في خندق واحد .
والعالم الغربي يسير اليوم بسرعة مدهشة نحو اعتبار كل المسلمين مهما تكن درجة التزامهم أصوليين متطرفين معادين ! .
وإذا كان الأمر كذلك فإن بروز أشكال من التعاون والتوحد بين الشعوب والدول الإسلامية قد يكون مرهونًا إلى حد بعيد بنضوج الصحوة الإسلامية المباركة وانتشارها وتمكنها ، لكن هناك من العوائق والصعوبات ما يجب تذليله أو التخفيف من غلوائه قبل أن نتمكن من تحقيق ما نريد ، ولعلنا نوجز فيما يلي أهم تلك العقبات:
1-إن حالة السكون والركود التي يعيشها كثير من شعوب العالم الإسلامي ستنتج دائمًا التفكك والتمزق ، فالانطلاق الراشد يؤمّن ترابطًا عجيبًا بين سائر بُنَى الأمة ومؤسساتها ، حيث تتمكن الأمة من حل كثير من المشكلات كما أنها لا تتوهم العناء حينئذ من مشكلات لا وجود لها .
2-هناك علاقة حساسة بين الوحدة والحرية قد تصل إلى حد التضاد في بعض الأحيان ، مع أن كلًا منهما يؤمّن حاجات أساسية للفرد والأمة ، فالوحدة قيود قد تصادر بعض الحريات ، وتستلب شيئًا من المكاسب ، وهذا على كل المستويات ، والناس حين يتحملون أعباء الوحدة وقيودها إنما يفعلون ذلك لما توفره من حاجات ومصالح ، ولما تدفعه من مخاطر التشرذم ، فإذا أحس متحدان (شعبان أو شخصان) أن أعباء الوحدة أكبر من منافعها صاروا جميعًا إلى التخلص منها ، مهما تكن العواطف قوية نحوها ! وهذا هو أكبر سبب أدى ويؤدي إلى الانفصال بين الدول والجماعات على مدار التاريخ ( وهذا هو السبب الذي يؤدي إلى الطلاق بين الزوجين) ، وهذا يعني أن تفكيرًا عميقًا ودراسات مستفيضة ينبغي أن تسبق كل شكل من أشكال التوحد ؛ حتى لا يصبح ذلك الهدف الكبير من أهداف الأمة حقلًا للتجارب المخفقة .
3-تتطلب الوحدة الإسلامية بروز قدرة حسنة على (التكيف) عند أفراد الأمة ؛ إذ إن الوحدة تتطلب التنازل عما هو هامشي وصغير ومؤقت في سبيل تحقيق ما هو أساسي وكبير ودائم ، وهذا يتطلب وعيًا تامًا بمكاسب الوحدة وتكاليفها بل إن الأمر يتطلب في بعض الأحيان موقف تضحية من قبل بعض الشعوب والجماعات كما يضحي الشهيد بحياته ، ويتنازل عنها في سبيل نصرة دينه ورفعة أمته ، ولن يقدم على هذه التضحية إلا المؤمن الذي تمكن الإيمان من قلبه ؛ فالفهم العميق والإيمان المكين شرطان لابد منهما لحصول ذلك ، والنقص فيهما أو في أحدهما قد يؤدي إلى تصارع فئتين دعواهما واحدة .
4-الفوارق الاقتصادية الكبرى بين كثير من شعوب العالم الإسلامي تجعل تحقيق الوحدة أمرًا غير يسير ، ويذكر في هذا السياق أن التبادل التجاري بين الدول الإسلامية لا يتجاوز 4% من مجمل تجارتها ، أما ال 96% فهو مع دول غير إسلامية ، وسبب ذلك أن الغرب ظل على مدار ثلاثة قرون يكيف حاجات الشعوب الإسلامية مع فوائض إنتاجه ؛ حتى لا يجد المسلم شيئًا من حاجاته إلا في الغرب ، أو في بلدان استوردته من الغرب ! .
5-على الصعيد الثقافي ذي الأثر الخطير في العلاقات بين الشعوب نلاحظ أن أكثر مناطق العالم الإسلامي هي مراكز لاجتياح العواصف والأعاصير الثقافية ، فهذا بلد متأثر ببلد مجاور له غير مسلم ، وهذا متأثر بمن استعمره ، وآخر بمن أرسل إليه البعثات ... وهكذا . والوحدة حين تقوم لابد أن ترتكز على عدد من الركائز التربوية والثقافية إلى جانب الركائز العقدية والاقتصادية ، وهذا ما نجده ضامرًا إلى حد بعيد في كثير من بلدان العالم الإسلامي .
6-يفتقد العالم الإسلامي اليوم النواة الصلبة القادرة على تبني الأطر الوحدوية وتعزيزها ، والتي تمتلك في الوقت ذاته القدرات والإمكانات التي تجذب دول العالم الإسلامي وشعوبه نحوها ، وإذا علمنا أن الظواهر الكبرى لا يمكن أن تنشأ إلا حول نواة تَنْشدّ إليها وتتحدد من حولها أدركنا الصعوبات التي تواجه الأعمال التوحيدية في العالم الإسلامي .