3-حين أعرض الغرب عن (سبيل الله) أخذ يبحث بجدية نادرة عن السبيل البديلة التي يمكن أن توصله إلى كل أمنياته ، وتحقق له كل رغباته ، وقد كان (القرن التاسع عشر) قرن التفاؤل الكبير ؛ إذ حقق العلم انتصارات كبيرة ، واعتقد الناس في الغرب عندئذ أن (العلم) سيكون قادرًا على تحقيق كل شيء وحل كل معضلة ، وسيطرت من جراء ذلك النزعة الوضعية أو العلمية المتطرفة التي اعتقد أصحابها أنهم قادرون على حل لغز الكون والإجابة على كل الأسئلة التي يطرحها الإنسان ، والمسألة مسألة وقت ليس أكثر . وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقاد بالتضاد بين (العلم) و (الإيمان) فإما أن تكون عالمًا غير مؤمن ، أو مؤمنًا غير عالم !
في النصف الثاني من القرن العشرين - على نحو أكثر وضوحًا - بدأت النظرة تختلف [3] ، حيث شهد هذا القرن حربين عالميتين إلى جانب أكثر من 130 حربًا صغيرة ، وحيث صارت البيئة الطبيعية في حالة يرثى لها ، وأخذت البنى الاجتماعية المختلفة بالتداعي والانهيار ، وتبين لصفوة من علماء الغرب عظم الخطأ الذي ارتكبه الغربيون حين ردوا على انحرافات الكنيسة بالإلحاد وتأليه (العلم) ، كما تبين لهم أن العلم أعجز من أن يدل على طريق النجاة . يقول (بيير كارلي ) [4] : ( العلم يهدف إلى تمكيننا من معرفة أفضل بالعالم وعلاقتنا به ، كما أن العلم ينير لنا الطريق في صدد ما يمكن فعله ، وبخصوص الوسائل والإمكانات المتاحة ، أو الرهانات والمخاطر . أما(الإيمان) فيقول لنا ما ينبغي فعله لكي نعطي لحياتنا معنى ، إنه يقدم لنا الغاية من الوجود والقيم وأسباب الأمل والعمل ) [5] .
هذه الأفكار صارت من جملة معتقدات بعض صفوة العلماء والمفكرين في الغرب ، لكنها ليست في واقع الأمر سوى خطوات قليلة في طريق طويل ، والتخريب الذي أحدثته (العلمانية) في بنى الحياة الغربية على مدى ثلاثة قرون شديد الانتشار والعمق ؛ والأمل في الإصلاح على المدى المنظور ضئيل للغاية !
4-إن أمة الإسلام ما زالت تنعم - بفضل الله - بالهداية ومعرفة (سبيل الله) وهذا ما يوفر للمسلمين اليوم تميزًا ، لا يشركهم فيه أحد ، كما أنه يخفف الكثير من لأواء الحياة ومشاقها . وأكبر دليل على هذا عدم وجود ظاهرة (الانتحار) في أي مجتمع إسلامي ، على حين أنها تنتشر في أكثر دول العالم تقدمًا ورفاهية . لكن لا ينبغي لنا أن نطمئن كثيرًا إلى ما نحن فيه ، فهذا الفيض من الأفكار والصور والنظم والنماذج التي يبثها في كل اتجاه أكثر من خمسمائة قمر صناعي تدور حول الأرض أربكت (الوعي) لدى كثير من المسلمين ، وبتنا نرى الكثير من الثقافات المحلية العميقة الجذور آخذةً في التحلل والتفكك والانكماش لصالح رموز الحداثة القادمة من الغرب ، وهذا يفرغ الكثير من الأطر والقوالب الإسلامية من مضامينها ، ويدخل مجتمعاتنا في امتحان ليست مستعدة له !
إن الذي يقرأ التاريخ بشفافية يجد أن التقدم العمراني كثيرًا ما يكون مصحوبًا بانخفاض في وتائر التدين وسويّات الالتزام ، فالقرن الرابع الهجري - مثلًا - كان قمة في التقدم العلمي والعمراني ، لكن الالتزام بتعاليم الشريعة لم يكن كذلك ، فقد كان في القرون التي سبقته أفضل وأرسخ . وهذا معنى تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته من الانبهار والافتتان بزخارف الدنيا ، وخوفه من أن تعجز عن إقامة أمر الله - تعالى - في ظروف الرخاء والرفاهية .
إن المنتجات التقنية - بالإضافة إلى هيمنة (نظام التجارة) - أخذت تعيد تشكيل حياتنا على نحو لا يعبأ كثيرًا بمقتضيات التدين الحق ، وصار من الواجب علينا أن نتدبر أمرنا ونرفع درجة حساسيتنا للوافدات الجديدة ، والا فقد نستيقظ بعد فوات الأوان . وإن على مثقفي الأمة - على اختلاف تخصصاتهم - أن ينهضوا بمسؤولياتهم والوفاء بالعهد المأخوذ عليهم في هذا الشأن ، فالثقافة ليست وجاهة فحسب ، وإنما ريادة ومسؤولية في آن واحد .
ولله الأمر من قبل ومن بعد ، ، ،
(1) سورة الشورى: 46 .
(2) أحمد ، ح / 14853 ، وابن ماجه / المقدمة ، ح / 11 .
(3) انظر كتاب العلم والإيمان في الغرب الحديث: 6 ، 7 تأليف: هاشم صالح ، ضمن سلسلة كتاب (الرياض) عام 1998م .
(4) أستاذ فسيولوجيا الأعصاب وعضو أكاديمية العلوم منذ عام 1979 م .
(5) السابق: 63 .
يقول الله جل وعلا: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } [الحشر: 19] .
هذه آية جليلة الشأن في كتاب الله تعالى وهي تضع أيدينا على حقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود ، وتمنحنا استبصارًا بشأننا العام ، لا يليق بنا أن نتجاوزه دون أن يملأ حياتنا بمعنى جديد !
ولعلنا في الصفحات التالية نقتبس من نور هذه الآية:
1-إن نسيان الله تعالى يكون على مستويين: مستوى ضعف صلة المسلم به ، وتبلد أحاسيسه ومشاعره نحو خالقه جل وعلا ومستوى الإعراض عن هديه واستدبار منهجه .