فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 292

لا أريد أن أفيض أكثر فأكثر في الإمكانات المتزايدة، لكن أريد أن أوضح الشروط الجوهرية للاستفادة من كل ذلك، وهي ليست كثيرة.

ولعل من أهمها الآتي:

1-التخلص من الأفكار القديمة والسائدة حول الممكن و (المستحيل العادي) والقريب والبعيد والسهل والصعب، والاحتفاظ بقدر جيد من الانفتاح على المعطيات الجديدة. والنظر بعين الاتهام إلى معلوماتنا الحالية تجاه ما يمكن لنا الاستفادة منه.

2-الاعتقاد بأن ما لدينا من نظم وترتيبات وأساليب.. يشوبه النقص -كما هو شأن كل ما ينظمه البشر- ويظلّ قابلًا للتطوير والتحسين. ومع أن هذه النظرة مكلفة جدًا إلا أنها شرط أساسي في مقاومة التكلّس.

3-ترتيب أوضاعنا الخاصة والعامة على أساس أن لدى الآخرين شيئًا يمكن أن نتعلمه منهم. والنظر إلى الآخر المناوئ والمخاصم بأنه يشكل تحدّيًا، كما أن لديه في الوقت نفسه شيئًا من الحلّ لما نعاني منه.

4-إدخال عنصر الوقت في حل أي مشكلة تواجهنا، وفي تخفيف أي إنجاز نريد تحقيقه، وعدم النظر إلى الأمور من زاوية معطياتها الحالية، وإنما من أفق تطورها واتجاهات سيرورتها.

5-تنظيم الذات والتحفز المستمر نحو استيعاب الجديد والبحث عنه والتغيير في الرؤية وفق معطياته.

6-إن شرط كل الشروط وأساس كل الأسس هو الإرادة الصُّلبة والقدرة على الاستمرار والمثابرة في الأداء والعطاء. وشيء بدهي أن يستعين المسلم في كل ذلك بالله -جل وعلا- ويخلص له في أمره كله

في أحيان كثيرة يجد الناس أنفسهم يعملون وفق معادلات خاطئة، أو يجدون أنفسهم وقد قعدوا عن العمل بسبب تنافر إمكاناتهم مع طموحاتهم. شيء جميل وعظيم ألا نرضى بالقليل، وأن نتطلع إلى الكثير من الخير لنا ولأمتنا، ولكن بشرط ألا تعظم الفجوة بين المطلوب والممكن إلى درجة نفقد معها الحماسة للعمل، ونزهد معها في الممكن، فيضيع من أيدينا إذ ترنو أبصارنا نحو العسير والمستحيل!

في مجال الأعمال يقولون: فكر عالميًا، وتصرف محليًا. وهذا قول حكيم، يمكن أن نستفيد منه في المجال الدعوي والمجال الحضاري عامة. لنمتلك الرؤية الشاملة والواسعة، ولنحاول أن نعرف موقعنا بدقة على الخارطة العالمية والمحلية. ولنلامس في تصوراتنا آفاق المطلوب والمتاح، وآفاق القريب والبعيد، والسهل والمرهق، ولكن لنركّز جهودنا دائمًا في دوائر التأثير، حيث لا يدخل في الرصيد في نهاية المطاف إلا تلك المنجزات الصغيرة والقابلة لوضع اليد عليها. الأشياء الصغيرة تظل دائمًا قابلة للتنفيذ، لأنها قابلة للتصديق، والأشياء الكبرى كثيرًا ما تبقى في حيز الأمنيات، لأننا نشك عادة في قدرتنا على القيام بها.

كثير من الشباب المسلم حائر في توظيف وقته وطاقاته في المجال المثمر والملائم؛ فهذا شاب يرغب في أن يكون داعية وطبيبًا. وهذا شاب يرغب في أن يكون مهندسًا وفقيهًا. وهذا شاب ثالث يرغب في أن يكون مدرسًا ورجل أعمال...

شباب كثيرون ابتعثتهم حكوماتهم إلى بلاد الغرب ليدرسوا بعض التخصصات العلمية المهمة، فما كان منهم إلا أن تركوا تخصصاتهم، وانتقلوا إلى المجال الدعوي. وكثيرًا ما تصادف في الولايات المتحدة الأمريكية شابًا مسلمًا يعمل إمام مسجد، وقد كان تخرج في قسم الكيمياء أو الفيزياء. وهذا رجل يحمل الدكتوراة في الأدب الإنجليزي ترك التدريس في الجامعة ليدرس في مدرسة عربية هزيلة هناك...

في بلادنا شباب ورجال كثيرون لا يحبون الوظائف التي قضوا فيها شطرًا مهمًا من أعمارهم، إنهم ينظرون إليها على أنها خط رزق احتياطي، أو أنها مصدر تُستمد منه الوجاهة الاجتماعية. إن تطلعاتهم وتفاعلاتهم ومستقبلهم ليس في هذه الوظائف والأعمال ولهذا فإنهم لا يعطونها إلا القليل من اهتمامهم وجهدهم! هذا مدرس يعمل في تجارة العقار، وهو يجد في تجارته من المردود المادي أضعاف ما يجده في وظيفة التدريس، ولهذا فإنه لا يحضر دروسه، ولا يكلف طلابه بكتابة ما ينبغي أن يكتبوه من الواجبات أو ما ينبغي أن يحلوه من التمارين؛ لأنه لا وقت لديه للتصحيح. وإذا دُعي إلى اجتماع مسائي في المدرسة فإنه لا يحضر فذلك في نظره اجتماع لغو، ولا وقت لديه لمثل ذلك! وهذا ليس أكثر من نموذج صغير لبلاء كبير!

وأود أن أضع النقاط على الحروف في الإضاءات التالية:

1-لن يكون في المستقبل ما يسمى"بالأمم العظيمة والدول العملاقة"ولكن سيكون هناك دوائر تضم أعدادًا من الأبطال الصغار الذين يهتمون بإتقان الأشياء الصغيرة التي بين أيديهم وهم يشكلون -حيثما وجدوا بكثافة- بؤرًا متفوقة ونافذة ومؤثرة، إنهم يعملون بصمت ومن غير عناوين كبيرة إنهم أشبه بقطرات الماء التي يتشكل منها النهر العظيم، وأشبه بحبات الرمل التي يتكون منها الجبل العظيم، حبة الرمل ليست بشيء، لكن لولا حبات الرمل لم يكن هناك الجبل العملاق!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت