إنه القصور التربوي والثقافي الذي نعاني منه والذي طالما تحدثنا عن مخاطره. قد طوّر لنا الآخرون الوسائل التي تساعدنا على الانتشار السريع والفعال، لكننا لم نستفد من ذلك كثيرًا لأننا لم نقم بتطوير أنفسنا وصقل استعداداتنا، ولم نقم بتحطيم الأوهام والقيود التي تشل حركتنا، وهذا ما لا يستطيع أحد أن يقوم به بالنيابة عنا وحتى نعرف كيف استفاد غيرنا من الوسائل الحديثة فيكفي أن نعلم أن الأوربيين أنشؤوا شبكة معلومات أنزلوا عليها نفائس المكتبات الأوربية، وقد بلغت الكتب التي تم وضعها على تلك الشبكة نحوًا من (مليارين ومئة مليون كتاب) وقد نهض بهذه المهمة قرابة ربع مليون شخص. فماذا علمنا نحن؟!
وللحديث صلة
عرضت في المقالَيْن السابقيْن بعض الإمكانات الجديدة التي وفّرها التقدم الحضاري، واليوم أستعرض أيضًا المزيد منها على أمل تكوين صورة متكاملة عن هذه المسألة.
8 -حين يتحرك الإنسان، ويسعى إلى تحقيق مآربه وقضاء حاجاته الكثيرة يجد نفسه مكبّلًا بقصوره الذاتي وطاقاته المحدودة، إن عينه لا ترى إلا إلى حدٍّ معين وضمن شروط معينة، كما أن قدرة يده على التعامل مع الأشياء أيضًا محدودة، وقل مثل هذا في لسانه وحاسة شمّه ورجله وأذنه... التقدم العلمي والتقني والحضاري عامة يزيد في سلطان الحواس، وإمكانات الجسد إلى درجات كان مجرد تخيلنا أمرًا عسيرًا. إن وسائط النقل من الدراجة إلى الطائرة زادت في سلطان الرِّجل. وإن كل أنواع العتاد التي يستخدمها أهل الحرف وموظفو الصيانة زادت في سلطان اليد. وزاد الهاتف في سلطان اللِّسان والأذن؛ حيث صرنا نسمع مَن يتحدث في مكان بعيد جدًا عنّا، ونوصل كلامنا إلى من هم أيضًا بعيدون. أما الهاتف (الجوّال) فقد جعل إمكانات التواصل العالمي شبه مطلقة، وسيكون لذلك آثاره الثقافية الخطيرة في المستقبل وهكذا...
وقد أدّى كل ذلك إلى اختصار الوقت وتحسين الإنتاجية وتخفيف العبء عن البدن. ومع تقدم والوسائل والآلات، تولد معايير جديدة للتحضّر؛ فالإنسان المتخلف اليوم كثيرًا ما يكون كذلك بسبب عدم رغبته أو عدم قدرته على استخدام الأدوات التي يستخدمها معاصروه. وهذا يعني أن الأمم التي تقود حركة الإنتاج العالمي هي التي تصنع مواصفات التقدم والتخلف، وهذا مع كل المميّزات التي حققها، يزيد في أعباء الأمم الفقيرة التي لا تستطيع إنتاج الآلات، ولا تجد المال الكافي لاستيرادها، وهذه الوضعية تغذي حالة الفقر وترسخها. إننا سوف ندهش إذا تأملنا في الوقت الذي توفَّر لربة المنزل بسبب وجود الآلات الحديثة، لكن معظم النساء صار وقت الفراغ وبالًا عليهن ومصدرًا كبيرًا للإزعاج لهنّ، وذلك بسبب مواكبة التقدم الإنساني للتقدم التقني والصناعي.
9 -في الماضي كانت أوصال العالم مقطّعة، وكانت الصّور الذهنيّة التي تكوّنها الشعوب عن بعضها مشوّهة ومشوّشة، بل إن أذهان الشعوب مملوءة بالخرافات والترّهات حول الأوضاع والعادات السائدة في المجتمعات المغايرة والبعيدة، وبسبب نقص المعلومات فإن كل وجهات النظر التي كانت يسمها شعب عن شعب آخر كانت تُتلقى على أنها حقائق قاطعة لا تحتمل الجدل. وقد تغير كل ذلك بسبب سهولة الانتقال وسهولة الاتصال، والبث الفضائي اليوم يضع بين أيدينا كل ما نريد معرفته عن شعوب الأرض على نحو لم يسبق له مثيل. هذا كله يعني أن الوعي الذاتي آخذ في التحسن؛ إذ إن رؤية الآخرين على ما هم عليه في واقع الحال تحسّن مستوى رؤيتنا لأنفسنا، وهذا يشكل مكسبًا عظيمًا، لكن الذي يحول دون الاستفادة الكاملة من معرفة الآخر هو ما نعانيه من ضعف وقصور في محاكاتنا العقلية، وفي قوى الاستبصار ونظم الإدراك والتفسير، ولكن هذا لن يدوم، وسنشهد مع الأيام الكثير من التقدم في كل هذا.
10-التطوّر المذهل في وسائل الاتصال آخذ في تخفيف الحاجة إلى السفر والانتقال، فهناك اليوم إمكانية ممتازة لعقد اجتماعات بالصوت والصورة بين أشخاص يعيشون في قارات مختلفة. كما أن من الممكن للمرء أن يتلقى تدريبًا جيدًا، ويحصل على شهادة في علم من العلوم دون أن يغادر بيته وذلك عن طريق (الإنترنت) ، كما أن في إمكان المرء أن يبيع ويشتري في أسواق تبعد عنه آلاف الأميال. والتقدم في برامج الترجمة الآلية، يخفف من مشكلات التباين اللغوي، ويجعل الاتصال المعرفي أسهل.
11-مع التقدم الحضاري المتسارع يعود شيء من الاعتبار للقدرات الذاتية والمهارات الشخصية، وصار في إمكان أعداد متزايدة من الناس أن يصبحوا أصحاب ثروات عريضة دون أن يكونوا من أبناء الأسر الغنية أو ممن ورثوا عن آبائهم المجد والمال.
إذا امتلك الشاب فكرة لمشروع ناجح، فإن في إمكانه أن يبيعها، ويصبح من وراء ثمنها في عداد الموسرين، وإذا نمّى الشاب ملكاته وإمكاناته الإدارية فإن في إمكانه أن يحصل على دخل عالٍ من وراء إدارة جيدة لمشروع جيد.
إن التمويل لأي مشروع صار اليوم سهلًا، وصارت الفكرة الذكية والقدرة على الإشراف والمتابعة محورًا مهمًا للنجاح. وفي إمكان كثير من الشباب التأهل لذلك والإبداع فيه من غير الحاجة إلى المال.