6-في حالات التخلف يزداد الشبه بين الناس والأشياء والأوضاع لأن العمل والحركة وقبل ذلك الفكر النشيط هي التي تنتج ما يزيل التشابه الفطري الموروث فيما ذكرناه. حين تنظر إلى عشرة آلاف نائم فإنك تدرك ما أعنيه. وفي المقابل فإننا حين سنسير في شارع مزدحم، ونحاول فهم دوافع الناس وأهدافهم في حركتهم الدائبة ندرك مدى التنوع والتفاوت الناجم من السعي في الأرض واستخدام الوسائل المختلفة. على مدار التاريخ كان (التفاوت) مصدر تعليم وتطوير. إننا من خلال اختلاف سوياتنا ورغباتنا ومصالحنا نجد سبلًا للتعاون وسبلًا للنزاع أيضًا. من خلال اختلاف فكر الفرد وذوقه مع الذائقة الثقافية السائدة في المجتمع ومن خلال اختلاف مصلحته مع مصالح الناس من حوله -تقوم أعظم عمليات التغيير والتطوير للفرد والمجتمع معًا. وهذا كله يأتي من وراء النقد العمراني والازدهار الحضري. التفاوت الناتج من التقدم يدعم حاسة المقارنة لدى الناس، ومن خلال المقارنة يكتشف الناس جزءًا من أنفسهم وجزءًا من دافعهم أيضًا؛ ومن هنا فإننا نجد أن القرآن الكريم كثيرًا ما يجعل الحديث عن الجنة مقرونًا بالحديث عن النار، كما يجعل الحديث عن الذين آمنوا مقرونًا بالحديث عن الذين كفروا... التفاوت الذي يولده التقدم العمراني، يتيح المزيد من النمو من خلال فتح شهية الناس نحو التقليد. ولا يخفى أن كثيرًا من الدول الناهضة اليوم بدأت بتقليد منتجات غيرها، ثم أخذت في إبداع منتجات عليها بصمتها الخاصة. وسيكون في إمكان كل واحد أن يفعل ذلك؛ حيث إن من الممكن أن نتعرف على أسباب تفوق عالم من العلماء -مثلًا- من خلال الدخول إلى عالمة الشخصي من أجل فهم ما جعله متفوقًا من سمات وخصائص وبرامج ووسائل ... ثم محاولة تقليده في ذلك أو بعضه. وسيكون في إمكان المؤسسات والشركات والهيئات العادية أن ترتقي بذواتها ومنتجاتها من خلال تقليد نظيراتها المتفوقة باتباع النظم والمعايير والأساليب التي تعدّها عوامل أساسية في نجاحها وهكذا... في حالات التقهقر والجمود الحضاري يكون الجميع في حاجة إلى التعلّم، لكن يكون المعلِّم غير موجود أو يكون نصف جاهل، أو يكون الناس غير مدركين لما يمكن أن يفعله العلم في حياتهم، وهذا ما تعاني منه اليوم شعوب إسلامية كثيرة!.
7 -يتيح التقدم الحضاري المزيد من فرص العمل، ومع أن ذلك ليس من غير ضريبة يجب دفعها إلا أن من المسلّم به أنه ما كان للأرض أن تتحمل هذا العدد الهائل من البشر لو لا ما فتح الله به على الناس من علوم ومخترعات ولو لا الجهود المنظمة والعظيمة التي بذلها ملايين الجنود المجهولين في التعليم والتدريب والتطوير.. لننظر إلى فرص العمل التي أتاحها اختراع الحاسوب والجوال. ولننظر إلى ما أتاحه من ذلك صنع السيارة والطائرة والمخترعات الكهربائية والإلكترونية من قبل. وسنعرف فضل كل هذا لو قدّرنا -جدلًا- أن الناس سيعودون في معيشتهم وأعمالهم إلى المستوى الذي كان عليه آباؤهم قبل قرنين من الزمان؛ لا شك أن أكثر من نصف القوى العاملة ستجد نفسها في بطالة قاتلة بسبب الاستغناء عن المنتجات التي تقوم على تحضيرها. وعلى المستوى الثقافي والدعوي فقد زادت إمكانات التواصل بين الناس ونشر الأفكار بما لم يكن واردًا حتى في الخيال. إن هناك أعدادًا كبيرة من العلماء الذين ألّفوا كتبًا نفيسة لكن لم تغادر أدراج مكاتبهم لعدم وجود المال المطلوب لطباعتها ونشرها. وهناك مئات الألوف من طلاب العلم الذين حدّثوا أنفسهم بتأليف بعض الكتب لكن أحجموا لأنهم غير واثقين من التمكن من طباعتها أو نشرها، فقد كان تداول الكتاب وانتقاله من دولة إلى أخرى في المرحلة الماضية صعبًا للغاية، وكان تداول بعض الكتب يشبه في مشقته تداول المواد المخدرة، وكان كثير من الدعاة يشكون عدم القدرة على الوصول إلى المدعوين في بلدانهم وفي البلدان الأخرى بسبب القيود الأمنية أو بسبب عدم توفر المال المطلوب للانتقال... إن كل هذا قد انتهى اليوم بفضل وجود (الإنترنت) و (البث الفضائي) . قد صار في إمكان أي مثقف أن يبني لنفسه موقعًا على (الإنترنت) ويقوم ببث ما لديه من معارف وخبرات وإرشادات على ذلك الموقع وبتكلفة لا تكاد تذكر. وصار في إمكان كل داعية أن يوصل كلمته إلى مئات الملايين من الناس في شتى أنحاء المعمورة دون أن يغادر بيته. بل إن شيئًا مذهلًا قد حدث على هذا الصعيد، هو أنه في الماضي لم يكن في الإمكان لشخصين يجلسان في غرفتين متجاورتين أن يطّلعا على كتاب واحد في آن واحد بسبب الشروط الصارمة للرؤية؛ أما اليوم فإننا إذًا وضعنا كتابًا أو مقالًا على (الإنترنت) فإن في إمكان ملايين البشر الإطلاع عليه ونسخه ونشره في آن واحد! وهذا أمر مثير حقًا. إذا كان الأمر على هذه الصورة؛ فلماذا نجد إذًا عشرات الملايين من الشباب المسلم المثقف واللامع، لا يقدم لدينه ودعوته أي شيء ذي قيمة، ويعتقد أنه إذا صار مستهلكًا للثقافة فهذا كافٍ بل يعده مفخرة له؟!