فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 292

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: فهذه الكلمات أنقلها إليكم من كتاب الرحلة إلى الذات ( فصول في التفكير الموضوعي ) أ . د . عبد الكريم بكار ، وله درس أسبوعي كل ثلاثاء في قناة المجد ما بين صلاتي المغرب والعشاء .

يقول أ.د. عبد الكريم بكار ( ص 37 -40 ) بتصرف واختصار:

وفي إطار ممارسة التفكير لحل مشكلة ما يمكن أن نذكر الوصايا والإجراءات التالية:

1-إذا كان الإعداد لحل مشكلة أو اختيار موضوع للبحث يحتاج إلى الكثير من الصبر والتؤدة حتى لا تكون البداية غير مناسبة فإن الحماسة والاندفاع في مواصلة العمل أمر ضروري لإنجاز شيء ذي قيمة ، إذ إن العقبات التي تعترض الطريق كثيرة وشاقة ، وقد يتخذ الباحث قرارًا بالعدول عن التفكير في تلك المشكلة ، أو البحث ، ولا بد حينئذ من اتخاذ قرارا شجاع ، إذ إن ما أنفقه من جهد ووقت في جمع المعلومات والإعداد للحل قد يمنعه من ذلك . وقد يكون من المناسب في بعض الأحيان أن نوقف التفكير في المشكلة إلى أن نتمكن من استكمال أدوات البحث . 2- يعود أكثر التشتت العقلي والتباطؤ في العمل إلى عدم القناعة بجدوى المشكلة التي نحلها ، أو اعتقادنا أن هناك مشكلة أولى بالعناية منها ، ومن ثم فإن امتلاك القناعة أمر جوهري لاستمرار العمل .

3-كثير من المشكلات التي نمر بها على صعيد الفرد ، أو على صعيد الأمة مرّ بها غيرنا ممن هم أكثر تقدمًا منا ، ومع الاعتقاد بأن لكل مشكلة ظروف نشأة وظروف استمرار مما يمنحها خصوصية الحل ، إلاّ أن معرفتنا بالأسباب التي اتبعت عند الآخرين في معالجتها سوف تساعدنا في حل مشكلاتنا ، حيث تصبح المشكلة أكثر إضاءة ، كما أننا سنستوعب إمكانات عدة تفيدنا في تركيب حل مناسب .

وإن كل العظماء من العلماء لم يبدؤوا من الفراغ ، ولكنهم استطاعوا أن يستوعبوا ، ويهظمو كل الحلول والملاحظات التي أدلى بها من سبقهم من العلماء والباحثين ، ولولا ذلك لما كان هناك تراكم معرفي . وقد سئل ( نيوتن ) عن إنجازاته الضخمة فقال: قد وقفت على أكتاف العمالقة الذين جاؤوا قبلي .

4-قد يكون حل المشكلة التي نريد حلها متوقفًا على حل مشكلة أخرى ، مما يجعل عملنا فيها يشبه عمل من يريد بناء طابق خامس ولم يبن الطابق الأول !.

فإذا أردنا - على سبيل المثال - أن نحل مشكلة كساد سوق الحوار والنقد البنّاء في أكثر بلدان عالمنا الإسلامي وجب علينا أن نبحث في حل مشكلة الحرية التي لا يمكن للمرء بدون حلها أن يقول الحقيقة كاملة ، والتي تجعل الناقد في خطر .

5-قد تكون هناك آراء سابقة حول المشكلة ، وهذه آراء قد تكون خاطئة فتشكل عاملًا من عوامل الإعاقة أمامنا ، وربما تُسقط بعض الإمكانات المتاحة للحل .

فإذا ما أردنا أن ننطلق أحرارًا فعلينا ألا نخضع لكل ما يقال ، وإنما نخضعه للدرس والتمحيص .

6-من الحيوي للباحث أن يتحلى بفضيلة المرونة الذهنية ، لأن كثرة التفكير في مسألة ما لا تعني دائمًا الوصول إلى حل مرض ، لأن لكل جيل من الأجيال سقفًا معرفيًا لا يستطيع أن يتجاوزه ، فالناس يفكرون في الطيران من قرون بعيدة ، ربما من أول ما شاهدوا الطائر يخترق كل الحواجز ، ولكن تحقيق ذلك لم يتم إلاّ بعد تكامل علوم وتجارب مع مواد بعينها هيأت ولادة الطائرة .

وهكذا فقد يكون أفضل نصر لقائد معركة هو الانسحاب بقوته سالمة ، كما فعل سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه في موقعة مؤتة .

7-هناك خطر ينبغي أن يتجنبه الباحث ، وهو عدم استغراق كل الاحتمالات باتجاه أو طريق ما ، أي: الانتقال من بضعة احتمالات في اتجاه معين إلى احتمالات أخرى في اتجاه آخر ، إلى احتمالات جديدة تصل باتجاه ثالث .

إن هذا الأسلوب ضار بعملية الإنتاج الفكري . ومن الممكن أن يسجل ملاحظة يحتفظ بها أن اتجاهًا ما جدير أو غير جدير بإعادة النظر فيه مرة أخرى .

8-إذا كانت المشكلة موضع التفكير تتطلب تفكيرًا جماعيًا ، فلا بد حتى نصل إلى الحل الأمثل أن تكون القناعة بأهمية المشكلة متجانسة ، أو متقاربة ، ولا بد أن يكون إلمامهم بها كذلك ، كما أنه من المفضل أن يكون هناك تقارب في مستواهم الفكري والثقافي ، و إلًا كان التفكير فرديًا أكثر كفاءة وجدوى .

إصدار الحكم:

كل ما قلناه من قبل عبارة عن مقدمات وخطوات من أجل الوصول إلى حكم ناضج أو رأي سديد ، ولا يشترط حتى يكون الحل ناجحًا أن يتوصل إلى حل دائمًا ، إذ إن ولادة أي حل قد تحتاج - كما قدمنا - إلى مقدمات وظروف ومراحل لا يملكها الباحث أو المفكر ، ولذا فإنه قد يكون من قبيل الحلول الناجحة - بمعيار ما - الوقوف على جذور المشكلة ، أو إعادة صياغتها ، أو إسقاط بعض الفرضيات القائمة في حلها ، أو طرح فرضيات جديدة لحلها ، أو تقسيمها إلى أجزاء رئيسة وأخرى ثانوية ، وقد يتخذ الحل صورة إيجاد أدوات جديدة لمبدأ من المبادئ العليا ، أو قيمة من القيم ، أو إيجاد أدوات جديدة لها لم تكن من قبل .

أن كل هذا عبارة عن ضروب من الحلول ، وكمالها مقترن باستنفاد كل وسائل الحل وإمكاناته .

(( هذا ليس للدكتور فقط ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت