لو تأملنا في سير المصلحين العظام الذين عدَّلوا في اتجاه التاريخ الإسلامي لوجدنا أن أكثرهم - إن لم نقل جميعهم- لم يكونوا يملكون أي إمكانية جيدة أو وسيلة فعالة لنشر أفكارهم وإصلاح الأوضاع العامة عند انطلاقتهم الأولى، لكن نجد أنهم كانوا - على مستويات مختلفة- يعرفون ماذا يريدون، وكانت الأشياء التي يعملون من أجل الوصول إليها تلوح أمامهم في الأفق، ولا يختلف وضع مصلحي الأمم الأخرى عن وضع مصلحينا، فاليهود الذين اجتمعوا في سويسرا في أواخر القرن التاسع عشر - كانوا يعانون من عزلة عالمية ومن شيء من الاضطهاد في بعض البلدان؛ وفي ذلك الوقت توصلوا إلى أنهم يستهدفون إقامة دولة لهم على أرض فلسطين بعد خمسين سنة، والذي ينظر إلى ضآلة ما بين أيديهم من إمكانات وإلى تحقيق ذلك الهدف في ظل الحكومة العثمانية، يستغرب من ذلك الطموح، لكن العمل الشاق والمثابر نحو الهدف المحدد يوجد طبيعة الكثير من الظروف الملائمة، ويوفر الكثير من الإمكانات المطلوبة وهذا ما حدث.
بعض الذين يشتغلون بالدعوة إلى الله - تعالى- يغلب عليهم قصر النظر، فهم لا ينظرون إلى بعيد، ولا يستطيعون التأمل في مآلات الأشياء، وهذا يحرمهم من رؤية ما هو كامن من إمكانات ومعطيات وعقبات، وهم لهذا مشغولون بما هو ناجز ظانين دوامه واستمراره، مع أن التقدم العلمي والتقني الذي يحدث الآن يجعل ناموس الحياة الأساس في التغير والتبدل، وليس في الثبات والاستمرار.
وهناك ممن يشتغل بالدعوة من يغلب عليه الحسّ العملي، وينظر إلى التخطيط وبناء الاستراتيجيات وبلورة الأهداف على أنه مضيعة للوقت، وليس هناك ما يدعو إليه، وهو في نظره قد يكون مظهرًا من مظاهر الفرار من العمل وتحمل المسؤوليات الكبيرة، وهذه الشريحة واسعة جدًا وإلى حد لا يُصدَّق!
ومن المؤسف أن فيمن يشنَّع على التخطيط الدعوي من لا يخطط وينظر، كما أنه في الوقت نفسه لا يعمل ولا ينتج، فهو في الحقيقة يعاني من عطالة شاملة، ولو سئل عما قدّمه للأمة خلال أسبوع أو شهر مضى لم يجد شيئًا يتحدث عنه! وهناك من يعمل من غير رؤية راشدة ولا أهداف واضحة ولا فقه للأولويات، وهؤلاء أسوأ حالًا من أولئك؛ لأن حركتهم قد تفضي إلى حدوث كوارث!
الهدف الجيد يحتاج إلى أن نرسم خطة لتنفيذه، وتلك الخطة يجب أن تشتمل على الإمكانات والأوقات المطلوبة، بالإضافة إلى العقبات المتوقعة، وبذلك وحده نجد أنفسنا مضطرين إلى البحث عن الوسيلة الفعالة والملائمة.
لست ممن تتملكه الرغبة بإغراء الآخرين بالبحث عن المستحيل وسلوك الطرق الوعرة لبلوغ الرغائب؛ لأن مشكلتنا الأساسية ليست مع المستحيل الذي نتمناه، ولكن مع الممكن الذي ضيعناه!.
فيا أيها الذين خنقهم الواقع بمعطياته الصعبة، فحرموا من رؤية الآفاق الممتدة التي تنتظرهم، ويا من أدمنوا الشكوى من ضعف الحيلة وانعدام الوسيلة، امنحوا أنفسكم الوقت الكافي للعثور على أفضل تحديد ممكن لما ترغبون في تحقيقه، وسوف تجدون أن ذلك سيجعل وسائلكم أكثر تقدمًا وفاعلية، كما أنه سيجعلكم أكثر واقعية، وسيكون لكم من وراء هذا وذاك إدارة أجود للإمكانات المحدودة التي بين أيديكم. والله الهادي.
إذا كان الخطاب الصفوي خطابًا تنشئة الخاصة، وتتداوله الصفوة؛ فإن الخطاب التبليغي تصنعه الخاصة، وتقوم باستخدامه شريحة متوسطة بين الخاصة والعامة، إذ توجهه إلى عامة المسلمين. الخطاب التبليغي يشكل أداة مهمة لتوحيد الثقافة عند حدودها الدنيا، كما أنه يعد الوسيلة الأساسية لتذكير الناس بالمبادئ والأصول والأدبيات الإسلامية. ولهذا فإن رقعة تداوله واسعة جدًّا ومن هنا فإنه اكتسب صفة (الشعبية) . وشعبيته هذه تملي عليه أن يتصف بخصائص وسمات، ويتعرض لأزمات ومشكلات يحسن بنا الوقوف عندها، ولعل أهمها الآتي:
1-الوضوح: من المهم أن يكون الخطاب التبليغي واضحًا غاية الوضوح، حيث إن تدني المستوى المعرفي لأولئك الذين يتلقونه يوجد في أذهانهم الكثير من الالتباس والخلط في التفسير. ولو أنك سألت عشرة من الناس عن خلاصة ما فهموه من إحدى خطب الجمعة لوجدت تفاوتًا بيَّنًا في خلاصاتهم. إن من الحيوي أن ندرك أن سوء الفهم ليس حادثًا نادرًا، وأن الواحد منا لو شرح فكرته عشرين مرة، فليس هناك أي ضمان لاستيعاب السامعين لها على النحو الذي يريد.
إن اللغة ناقل غير كفء، وإن الناس حين يسمعون كلامًا يفهمونه في ضوء ما لديهم من خلفيات معرفية، بل إن كثيرًا منهم يقرؤون تلك الخلفيات ويبلورونها عوضًا عن الاشتغال بفهم ما سمعوه.