فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 292

هذه القوى الكامنة ستظل ثغرات في حياتنا أيًا كان موقعها في ظل التكالب العالمي على الصعيد الثقافي والاقتصادي ، وهذه القوى الكامنة تحتاج إلى تفجير وإلى إخراج في شكل جديد يمنحها وزنها الحقيقي وإخراج القوة مهمة الدولة أولًا ؛ فهي المسؤولة عن تفجير الطاقات كافة وتوجيهها ، ومهمة صفوة الصفوة من صانعي المبادرات الخيّرة ، الذين يمتد بصرهم دائمًا إلى مستوى أعلى من المستوى الذي تعيش فيه أمتهم فيوجدون باستمرار الأفكار والأطر والأجواء والآليات التي تُفَعّل القوى الخامدة المجهولة للناس حتى حامليها .

واليهود هم من أساتذة العالم في (إخراج القوة) وتوظيفها واستغلالها وصحيح أن ديننا يحول بيننا وبين وسائل كثيرة استخدموها حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه ، لكنني أعتقد أنه مازال في هذا العالم مكان فسيح للمسلم المبصر الأريب ..

وقد بدأت الأمة في امتلاك القوة ، وبدأ المارد الذي نام قرونًا يصحو وهو الآن يتفقد أعضاءه وحواسه ، ويحاول أن يتعلم المشي في (حارة) الكرة الأرضية ، لكن بعضًا منا بدؤوا يخبطون يمنة ويسرة قبل أن يفتحوا عيونهم وقبل أن يعقلوا الأجواء التي يصحون فيها ؛ ليغروا العدو بتوجيه الرصاصة القاتلة قبل أن يقفوا على أقدامهم ! .

إن فهم الحياة المعاصرة شرط أساسي يجب توفيره عند كل أولئك الذين يريدون توجيهها والتأثير فيها ، ولن يكون ذلك ممكنًا ما لم نكن نحن من صانعي قراراتها وخياراتها ..

7-الأمانة قيد على القوة ، فهي التي تحدد مجالات استخدامها وكيفياته والقوة الآن في يد الآخرين على ما نعرف ، والقيود الأخلاقية عندهم آخذة في الضعف يومًا بعد يوم ؛ لأنها لا تعتمد على إطار مرجعي أعلى يمنحها الثبات ومن ثم فإن القوة ليست في طريقها إلى الانطلاق من أي ضابط أو حسيب ، لكنها في طريقها إلى صنع قيودها بنفسها الصناعة التي تمكنها من مزيد من الانطلاق ، وهي بذلك تجعل الآخرين يتوهمون أنها قيود ؛ حتى لا يشعر أحد أن هناك فراغًا أخلاقيًا يجب ملؤه ! وما النظام العالمي الجديد سوى الأحرف الأولى في أبجديات القيود الجديدة ! .

وهذا يوجب علينا المزيد من التفكير والتأمل فيما يجب عمله ، ونحن مع ضعفنا قادرون في هذا المضمار على عمل الكثير الكثير إذا فهمنا لغة العصر ، وأحسنا إدارة الصراع ؛ إننا نملك القيود (الأمانة) ، وهم يملكون القوة ، فهل نسعى إلى امتلاك القوة المقيدة حتى يصطلي العالم بالنار دون أن يحترق ؟ ؟

(1) سورة يوسف: 21 .

(2) الكشاف 3: 163 .

(3) الأحزاب: 72 .

(4) انظر البحر المحيط 7: 253 .

(5) سورة فاطر: 28 .

(6) انظر مقدمة ابن خلدون 2: 279 .

#{ وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ }

أنزل الله - جلَّ وعلا - في المنافقين سورة سُميت باسمهم ، تفضح بعض مواقفهم ، وتُخبر عن بعض صفاتهم ، وكان من جملة ما نَعَتَهُمْ الله تعالى به قوله: { وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [1] .

فقد وصفهم الله - تعالى - بأن الناظر إليهم يُعجبُ بجمال أجسامهم ، ومن يسمعهم يُؤخذ بفصاحة ألسنتهم ، لكنهم كالهياكل الفارغة ، أشباح بلا أرواح ، وأجسام بلا أحلام ...

وهذه الصفات تتناسب مع حالة النفاق ، إذ إن ظاهر المنافق دائمًا خير من باطنه ، فظاهره الإيمان ، وباطنه الكفر ، وهو ذلق اللسان ، لكنه يقول غير ما يعتقد ؛ فهو كذاب ، وهو جميل الصورة ، لكنه عاطل من الصفات النبيلة كالإيمان والمروءة والرجولة ، وكل ما يزين الباطن .

وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: » كان عبد الله ابن أُبي (رأسُ النفاق) وسيمًا جسيما صحيحًا صبيحًا ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي - صلى الله عليه وسلم- مقالته « [2] .

ولمّا كان للظاهر سلطانه القوي في التأثير ، وانتزاع الإعجاب علَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- أصحابه ضرورة تجاوزه إلى المعاني الباطنية ؛ لأنها هي الفيصل الحقيقي في تقييم الرجال ؛ وقد ورد في الحديث الصحيح: أن رجلًا مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما تقولون في هذا ؟ « قالوا: حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع يُشفع ، وإن قال أن يُستمع إليه « قالوا: » حريٌّ إن خطب ألا يُنكح ، وإن شفع ألا يُشفَّع ، وإن قال ألا يُستمع إليه « ثم مر رجل آخر ، فقال: » ما تقولون في هذا « . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: » هذا خير من ملء الأرض مثل هذا [3] ففضَّل النبي صلى الله عليه وسلم الفقير على الغني ، وذلك لا يلزم منه تفضيل كل فقير على كل غني ، إنما أراد أن يعلمهم أن التفاضل لا يقوم أبدًا إلا على المعاني الباطنية ، وما يتبعها من أعمال .

وتطرح هذه الآية الكريمة مسألة خطيرة في حياة الإنسانية بعامة وحياة المسلمين بخاصة ، هي قضية العلاقة بين الشكل والمضمون ، أو الجوهر والمظهر [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت