ونعني بالجوهر ابتداءً: مجموع الخصائص الخُلُقِيَّة والنفسية . والصور الذهنية ، والخبرات والموازنات العميقة للفرد .
أما المظهر: فإنه مجموع ما يحمله الفرد من الصفات الجسمية ، وما يمتلكه من الأشياء ، وما يتحمله من وظائف ، مما لا يعد على صلة مباشرة بكينونته الذاتية .
في البداية ليس الجوهر والمظهر شيئين منفصلين انفصالًا تامًا ، بل بينهما علاقة تأثر وتأثير وأخذ وعطاء ، وقد ورد ما يدل على هذا فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمسح مناكب أصحابه في الصلاة ، ويقول: » استووا ، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم « [5] . والمرء حين ينشرح صدره يظهر ذلك على مُحيّاه ، ومن ثم قيل: » من كثرت صلاته بالليل ضاء وجهه في النهار « .
وإذا كان بين الظاهر والباطن مثل هذا التجاذب والتلازم فإن من البدهي ألا يزهِّد الإسلام الناس في الشكل ؛ فالصلاة موقف روحي بحت ، ومع ذلك حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على انتظام الصفوف فيها ، والأمر قريب من ذلك في صفوف القتال .
وحث الإسلام على النظافة ، كما امتنَّ الله - تعالى - علينا بما نشعر به من التأنق عند غدوِّ الأنعام ورواحها ، كما قال سبحانه: { ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ } [6] ، وتلك مسألة شكلية . والأمثلة على هذا أكثر من أن تُحصى .
إذن ما هي المشكلة ؟
تكمن المشكلة في اختلال التوازن بين الجوهر والمظهر ، أو بين المضمون والشكل ؛ فالبشر متفقون على أن اللباب هو الأصل ، وأنه ينبغي أن يُعطي من الاهتمام والعناية والبلورة القسط الأكبر لأن كل الإنجازات الحقيقية التي تتم على السطح نابعة أساسًا من إنجازات تمت على مستوى الكينونة والجوهر . وهذا يتناسب مع حقيقة تسخير الكون الذي حبا الله - تعالى - به الإنسان ؛ كيما يظل حرًا طليقًا يحكم ويأمر دون أن يُكَبَّل ! بشيء من صنع يديه !
وللمجتمع وما يقره من أعراف سلطانٌ كبير على الناس ، ولما كان الحكم الاجتماعي منصبًا على الشكل كان الانحدار نحو الاهتمام بالشكل هو الأمر الطبيعي المتبادر إليه ، أما العناية بالجوهر فيمكن أن تنمو عن طريق التربية الخاصة في الأسرة أو المدرسة ، لكن ذلك سيظل ضعيف التأثير ما لم يكن المجتمع كله خاضعًا لمبادئ عليا خارجة عن إنتاجه ، ولن يكون مصدر تلك المبادئ حينئذ الأرض ، وإنما السماء ! لكن حين يكون الدين عبارة عن بعض الرؤى الغيبية ، أو الدغدغات العاطفية - كما هو الشأن عند بعض الملل - فإنه لا يضع شيئًا في مواجهة التيارات الاجتماعية العاتية ؛ لأنه لا يعدو آنذاك أن يكون عنصرًا رخوًا من عناصر الثقافة !
وإن الذين الذي يوجِّه ويقاوم هو الذي نُمحِّص حياتنا من أجله !
وحينما يضعف الوازع الديني لدى المسلم فإن الميزان يميل مباشرة لصالح المظهر . وبما أننا نعيش في عصر نتأثر فيه أكثر مما نؤثر فقد أضيف إلى ضعف الوازع الديني عند أكثر الناس الوقوع تحت تأثير الفلسفة الغربية في جوانب الحياة المختلفة ، تلك الفلسفة التي شكَّلت من الإنتاج غير المحدود والحرية غير المحدودة والسعادة غير المتناهية دينًا جديدًا اسمه التقدم ! واقتضى ذلك توجهًا كليًا نحو الطبيعة لاستثمار كل شيء فيها ! ثم استهلاكه بصورة جشعة لم يسبق لها مثيل ناسين أن موارد الطبيعة محدودة ، وأن الطبيعة . سوف ترد على ذلك ، بل إنها بدأت بالرد فعلًا !
وعلى صعيد الرمز فقد كان البطل المسيحي يستوحي شخصية الشهيد ، وهو عيسى - عليه السلام - حيث وهب حياته من أجل غيره - حين صلب كما يزعمون - ، ثم انقلبت الأمور رأسًا على عقب ، حيث صار العالم الغربي يستوحي شخصية البطل الوثني ، كما يتجسد في أبطال الإغريق والرومان ، ذلك البطل الذي يغزو ، وينتصر ، ويدمر ، ويسرق ، وينهب . وشتان ما بين شخصية الشهيد الذي يهب حياته من أجل غيره ، وبين المقاتل الذي غايته السيطرة على الآخرين وتضخيم الحياة الشخصية ! ! 12
وكانت النتيجة ولادة مجتمعات تعاني من الوحدة ، والقلق ، والاكتئاب ، والنزوع التدميري ، والخوف من المستقبل ، والأنانية الشخصية ، والتفكك الأسري...
تأثرنا - نحن المسلمين - بهذا كله من حيث ندري ، ولا ندري ، وتوجهت قوانا الفاعلة نحو الخارج ، وأهملنا الجوهر ، وكانت حالتنا في بعض النواحي أسوأ ممن تأثرنا بهم ؛ لأن القوم صاروا إلى الشكل بعد أن حققوا ذواتهم بطريقة فعَّالة وإن كان انحرافها يحمل في النهاية بذرة موتها ؛ أما نحن فقد غادرنا الجوهر لغمر أنفسنا بالشكليات !
والناظر في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والحياة العامة لصحابته - رضوان الله عليهم - يجد أن السيطرة كانت للكينونة الداخلية ، وليس لما يمتلكه الناس من أشياء ؛ لأن المحور الأساسي للحياة الاجتماعية كان الإنسان ، وليس الأشياء ؛ أما الآن فقد صارت (الملكية) هي المحور ، ويتجلى ذلك واضحًا في أمور عديدة منها: