1 -تناقصت الألفاظ المستعملة في الدلالة على الجوهر ، في حين زاد تداول الألفاظ الدالة على الأشياء ، فحديث المجالس لم يعد يتمحور حول البطولات ، والإنجازات ، والمواقف الكريمة ، والصفات الحميدة ، وإنما حول العقارات ، والسيارات ، وأسعار السلع ، وأثاث البيوت ، والأرصدة المالية ...
2 -الرغبة في مزيد من الإنتاج لتحقيق مزيد من الاستهلاك جعل اعتماد الناس على الآلة يتزايد يومًا بعد يوم ، وصار الإنسان ترسًا من تروسها ، وصار دوره مكملًا لدورها ؛ ومن طبيعة هذا الشأن أن يزيد اهتمامنا بالمظاهر ، ويشغلنا عن الحقائق .
3 -كانت قيمة وجود الإنسان مستمدة مما يُحسن ويتقن ، وصارت المعادلة الجديدة: قيمة وجودي مستمدة من مقدار ما أملك ، ومقدار ما أستهلكُ ! وهذا ولَّد الخوف الدائم من ذهاب الملكية ؛ لأن ذهابها ذهاب لمالكها ؛ واقتضى ذلك مزيدًا من الشح والأثرة والتقاطع ...
4 -علاقتنا بالمعرفة تبدلت ؛ فقد كان حب العلم واكتساب المعرفة من أجل الفقه في الدين وتنمية الشخصية ومعرفة الحياة ... وكانت العملية التعليمية عبارة عن اندماج بين العلم وطالبه ، أما الآن فقد صارت علاقة طالب العلم بما يطلب علاقة تجارية بحتة ، فهو يتعلم لينال الشهادة ؛ وحفظه للمعلومات ظاهري ينتهي عند إفراغها على الورق في الامتحان !
5 -السمات الأساسية للجوهر هي: الاستقلالية ، والحرية ، وحضور العقل النقدي ، والاستخدام المثمر للطاقة الإنسانية ، والنمو ، والتدفق ، لكن العلاقات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية الجديدة جعلت أنشطة الإنسان عبارة عن انشغال دائم مفصول تمامًا عن قواه الروحية ، بل يقف ضدها ، ويحد من فاعليتها في كثير من الأحيان ؛ مما أدى إلى الاتكالية والسأم والتذمر ، وجعل الحياة تفقد طعمها الحقيقي بشكل عام .
6 -كانت عواقب الاتجاه إلى الشكل والتغافل عن المضمون كثرَة اللذائذ وانعدام السعادة ! واللذة إشباع الرغبة على نحو لا يتطلب نشاطًا ، مثل لذة الحصول على مزيد من الربح ، أو هي: تجربة لحظة من لحظات الذروة يعقبها في الغالب نوع من الكآبة ، ولا سيما حين تكون غير مشروعة ، حيث يبدأ التقريع الداخلي .
أما السعادة فهي: شعور مصاحب للنشاط الإنساني ؛ وهي أقرب إلى أن تكون حالة من الوجود المتصل على ربوة رحبة ؛ لأنها وهجٌ لكينونة الإنسان ، ونشاطه الداخلي .
ويمكن القول: إن السعادة في مقياسنا الإسلامي تتعاظم كلما ردم المسلم من الفجوة القائمة بين معتقداته وسلوكياته ، حيث يرضى المسلم عن أدائه ، ويستشرف عاقبة المتقين .
كل هذه التحولات باتجاه الشكليات جعلت كثيرًا من أمة الإسلام قوة عددية ليس إلا ؛ لأن الذي يفقد الصلة بمكوناته الأساسية لابد أن يصبح شكليًا . فهل تعيد الصحوة المباركة الأمر إلى نصابه بإعادة التوازن من جديد بين الشكل والمضمون ، والجوهر والمظهر لنستأنف رسالتنا الحضارية ؟ ! هذا ما نرجوه . وعلى الله قصد السبيل .
(1) المنافقون: 4 .
(2) تفسير القرطبي 18 / 124 .
(3) أخرجه البخاري .
(4) ننصح بالرجوع إلى كتاب الإنسان بين الجوهر والمظهر الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة في الكويت وقد أفدت منه هنا في بعض ما كتبت .
(5) أخرجه مسلم وغيره .
(6) النحل: 6 ومثل هذا قوله سبحانه: [ والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً ] .
أكرم الله - سبحانه وتعالى - الخلق ، فأرسل لهم الرسل تترى حتى تظل أعلام الهداية منشورة ، وحتى لا يكون لأحد على الله حجة بعد إرسال الرسل . وينقسم الناس أزاء كل رسالة في العادة إلى فريقين فريق يصدق ، وفريق يكذِّب ، وكانت حجة المكذبين الجاحدين ما حكى الله عنهم: { وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [الزخرف 23- 24] .
وظاهر هذه الآية أن الرؤساء والوجهاء والمترفين هم - في الغالب - الذين قاوموا دعوات الرسل ؛ لأن أية رسالة ستحدث تغييرًا في القيم السائدة والأحوال المعاشة ، وهذا التغيير سيمس مصالحهم ومكاسبهم ، ومن ثَمَّ فإن موقفهم هو التأبي والمعاندة . وبما أن الحياة الجمعية لا يمكن أن تستقيم ، وتنتظم من غير ضوابط عرفية تؤمِّن نوعًا من التعاون ، وتَحُوْل دون بغي الخلطاء على بعضهم بعضًا كان الجواب دائمًا: أن ما تقوم عليه حياتهم الاجتماعية هو ما وَرِثوه عن آبائهم وأجدادهم من الأعراف والعادات والتقاليد ، وما حياتهم إلا استمرارًا لحياة سلفهم الذين يفاخرون بهم .