2-يؤسفني القول: إن معظم الوسائل الإعلامية، تقوم بتشويه الوجه الحقيقي لرمضان، وتغيير ملامح رسالته للأمة، وذلك عن طريق تصويره للناس بأنه ضيفٌ ثقيل، يحتاج مستضيفوه إلى الكثير من الترويح عن النفس حتى يستطيعوا تحمّل وطأته، وحتى يمر بسلام، مع أن الرؤية الإسلامية الأصيلة والموروثة نسبيًّا، هي أن هذا الشهر الكريم هو فرصة عظيمة لمن يوفقه الله -تعالى- لصيامه وقيامه؛ ومن هنا كان كثير من السلف يدعون الله -تعالى- ستة أشهر قبل قدوم رمضان أن يبلِّغهم رمضان، فإذا انتهى رمضان دعوا الله -تعالى- ستة أشهر أن يتقبل منهم صيامه. والتشويه الثاني الذي تقوم به وسائل الإعلام هو تصوير رمضان على أنه مناسبة كبرى وطويلة للهو والتمتّع بأصناف الأطعمة والسهر ولعب الورق وتجمعات المراهقين والشباب في الشوارع.. مع أن الذي نعرفه من أسرار مشروعية الصوم هو أن المسلم في رمضان يهذِّب نفسه من خلال حرمانها من ملذاتها وشهواتها، كما أن الجوع الذي يعانيه، يجعله يتذكر الجياع، فيبسط يده بالإحسان للفقراء، أضف إلى هذا أن الناس في رمضان يتناولون وجبتين في رمضان عوضًا عن ثلاث وجبات، وهذا يعني وجود نوع من التوفير فيما يُنفق على الطعام، مما يساعد على التصدّق، ومما ينعش رأس المال الوطني... لكن الواقع يشهد أن ما ينفقه الناس على المأكل في رمضان، يتجاوز ما ينفقونه في أي شهر آخر! هكذا يتم إجهاض الشعائر العظيمة، وهكذا يتم صرف المبادئ عن وجهتها الشريفة!
إنني أدعو نفسي وإخواني إلى تقليل مشاهدة التلفاز في رمضان إلى أدنى حد ممكن حتى يعود لرمضان ألَقُه، وحتى يعود كما كان فرصة للتنفّل والذكر وقراءة القرآن وبذل المعروف...
3-رمضان يصلِّب لدينا روح المقاومة، ويقوّي الإرادة والعزيمة، وينبغي أن نستفيد من ذلك في جعل شهر الصيام مناسبة لتغيير بعض العادات غير المرْضيّة واكتساب بعض العادات الحميدة؛ والحقيقة أن الذي يجعل الإنسان ملتزمًا ومتفوقًا ليس سوى صفات قليلة، كما أن ما يجعل سلوك الإنسان، يوصف بالسيّئ أيضًا ليس بالكثير، إنه يكفي أن يتخلص المرء في كل رمضان من عادة واحدة سيئة وإحلال عادة حسنة مكانها حتى يجد نفسه بعد خمس سنوات وقد انتقل من شخص سيّئ إلى شخص عادي، أو من شخص عادي إلى شخص جيد أو ممتاز، تصوّر معي شخصًا ترك في سنة عادة التسويف، وفي التي بعدها عادة الفوضى في التعامل مع الوقت، وفي ثالثة عادة المبالغة في الكلام، وفي رابعة عادة التأخّر عن صلاة الجماعة، وفي خامسة عادة جفاء الأهل والأرحام.. كيف سيكون حاله؟!
4-نحن نعيش في وضعيّة كونية جديدة آخذة في التشكل والانتشار، وهذه الوضعية، تُعطى فيها الأولويةُ للمحسوس على المعنوي، وللمباشر على غير المباشر، وللآني على الآجل، وللقوة على الرحمة، وللنجاح على الفلاح، وللمتغير على الثابت. إنها وضعيّة مخيفة ومقلقة حقًا، وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن، فهذا يعني أن الأجيال القادمة ستنظر بعين الاستخفاف إلى كثير مما نعدّه الآن شيئًا عزيزًا وعظيمًا، والحل لهذه المعضلة لن يكون فلسفيًا أو إرشاديًا، وإنما هو حلٌّ عملي يقوم على أن نحيا رمضان كما كان المسلمون الأوائل يحيونه: صيامٌ عن الطعام والشراب وعن المعاصي والذنوب، وإحياءٌ لليالي المباركة وللأرواح والقلوب، وتقرّبٌ إلى الله -تعالى- بأصناف القربات، إن هذا وحده هو التعبير الحقيقي عن رفضنا للتحلّل الداخلي والغزو الثقافيّ القادم من كل مكان.
والله الموفق.
د. عبد الكريم بكار 5/5/1427
في الساحة الإسلامية العامة دعوة عريضة لتوحيد الأمة في كيان سياسي واحد، وفي ساحة الصحوة والدعوة هناك دعوة مماثلة لتوحيد العمل الإسلامي، أو على الأقل العمل على تقريب توجهاته ومناهجه، ولكن الواقع يشهد أن الاستجابة لكلتا الدعوتين تقترب من العدم، مع أن ولاء المسلمين قاطبة كان على مدار التاريخ للأمة، وليس للدولة القطرية، ومع أن لدى الإسلاميين الكثير من النصوص والمقولات التي تؤكد على وحدة الكلمة ونبذ الخلاف والفرقة، فلماذا لم تتحقق هذه التطلّعات؟
في البداية لا بد من القول: إنني لا أحكم هنا على مدى واقعية الدعوة إلى توحيد الأمة تحت لواء سياسي واحد، ولا توحيد الجماعات الإسلامية في أي بلد من البلدان الإسلامية تحت إمرة قيادة واحدة، فهذه مسألة تحتاج إلى نقاش معمَّق، لكن أود هنا أن أشير إلى مرض اجتماعي واسع الانتشار على صعيد الأمة بشكل عام، وعلى صعيد الجماعات الإسلامية على نحو خاص.
وهذا المرض والذي هو (التعصب) يشكّل عائقًا أساسيًا أمام كل أشكال التقارب بين الأفراد والجماعات والشعوب والمؤسسات.. وذلك لأنه يكرِّس أسباب الفرقة، ويهدم ما هو موجود من أركان اللقاء والوحدة والتعاون. وهذه بعض الملاحظات الجوهرية في هذا الشأن:
للتعصّب علاقة لغوية بـ (العصبيّة) ، ومعناها أن يدعو الرجل إلى نصرة (عُصبته) -أي قرابته من جهة أبيه الذين يتعصّبون له وينصرونه- والتألّب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.